30 يوليو 2026

الرشوة وخطرها على الفرد والمجتمع



الحمد لله رب العالمين أمر بالإصلاح في الأرض فقال تعالي}وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ(142){  ]الأعراف[
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير ..  يُبغض الفساد والمفسدين فقال سبحانه }وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ(77){  ]القصص[
 وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله (ﷺ) جاء بدعوة الإصلاح فأعلن الحرب علي الفساد المالي فقال (ﷺ) : }لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ { ]رواه أبو داود والترمذي[.
 فاللهم صلى على سيدنا ونبينا محمد النبي الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وخلفائه الراشدين المهديين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد : فيا أيها المؤمنون 
يقول الله تعالى:} يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ (19){ [الأحزاب].
إن من مقاصد الشريعة الإسلامية العظيمة حفظ أموال الناس، وإقامة العدل بينهم، وصيانة المجتمع من عوامل الهدم والفساد.
وإن من أعظم الآفات التي تدمّر المجتمعات، وتقضي على الأمانة، وتنشر الظلم والجور، داءٌ خبيث ومرض عُضال، إنه داء "الرشوة".
لذلك كان حديثنا عن }الرشوة وخطرها على المجتمع{ وذلك من خلال هذه
العناصر الرئيسية التالية ..
1ـ تعريف الرشوة.
2ـ موقف الإسلام من الرشوة والوعيد الشديد لآكل الرشوة ومُعطيها والرائد بينهما.
3ـ خطر الرشوة على الفرد والمجتمع.
4ـ أسباب انتشار الرشوة في المجتمع .
5ـ وسائل علاج ظاهرة الرشوة واجتثاثها.
6ـ صور رائعة لأصحاب الورع عن المال الحرام.
7ـ الخاتمة.
العنصر الأول: تعريف الرشوة:
الرشوة :هي ما يُعطى لإبطال حق، أو لإحقاق باطل، أو للتوصل إلى غرض غير
مشروع بالوسائل الملتوية.
العنصر الثاني: موقف الإسلام من الرشوة : 
الرشوة محرمة بالإجماع يقول الله تبارك وتعالىوَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) ]البقرة]
فهذا نهي من الله تبارك وتعالى أن تؤكل أموال الناس بالباطل، ومن ضمنها: أن تدلوا أيها الناس بالأموال للقضاة أو مَن يحكم بينكم من أجل أن تأكلوا أموال بعضكم بالإثم والعدوان.
ويقول أهل العلم، أي: أنكم إذا فعلتم ذلك وقعتم في الأكل، أكل فريق من أموال الناس. فهذه الآية جاءت واضحة الدلالة على تحريم الرِّشْوة، فهي من الفساد المالي الذي نهى الله تعالى عنه في كتابه الكريم ، وحذر منه النبي (ﷺ) ولقد سماها الله عز وجل في كتابه بالسُّحْت، وهو المال الحرام الذي يمحق البركة ويجلب غضب الجبار، فقال تعالى في ذم اليهود: }سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ (42){ [المائدة].
وقد فسر ابن مسعود رضي الله عنه "السحت" هنا بأنه الرشوة في الحكم وقضاء الحوائج.
 وفَسَّره جمع من أئمة التفسير كالحسن البصري ومجاهد هو الرشوة، وذلك أن الرِّشْوة أول ما فشت في اليهود، فمن سار على طريقهم ونحى منحاهم فإنه يناله من الإثم ما نالهم؛ لأن الله تبارك وتعالى حرم هذا على أولئك، وجعله محرمًا أيضًا على مَن بعدهم، فإنَّ ذَمَّهم في كتابه سبحانه وتعالى على هذا الفعل فيه تحذير لنا وحضٌّ على الابتعاد عن هذا المسلك الذي ساروا عليه، لكي لا نوصم بهذا الذنب الذي خالطوه وذمهم عليه المولى تبارك وتعالى.
 وقد لُعِن هؤلاء اليهود على فعلهم هذا، فمن شابههم فإنه يناله من الوعيد ما نالهم،
ولقد حذر النبي (ﷺ) تحذيرا قاطعا، لكل من شارك في هذه الجريمة؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال:}لعن رسولُ اللهِ (ﷺ) الرَّاشيَ والمُرتشيَ{  ]رواه أبو داود والترمذي[.
واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله؛ فكيف يرجو الفلاح أوالتوفيق من طُرِد من رحمة أرحم الراحمين؟!
فلم يكتفي النبي (ﷺ) بلعن الراشي والمرتشي فقط ولكن تعدى الأمر إلى الرائش وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي فقد لعن المصطفى عليه الصلاة والسلام من فعل هذا الفعل، فعن عبد الله بن عمرو قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ»، رواه أحمد وأبو داود وهو عند الترمذي بزيادة: في الحكم. وقال: حديث حسن صحيح.
وفي رواية: والرائش. وهو الساعي بينهما، فطلب الرشوة حرام وقبولها حرام، كما يحرم عمل الوسيط (الرائش) بين الراشي والمرتشي، هذا في الرشوة التي يتوصل بها صاحبها إلى ما ليس له، فهي من كبائر الذنوب.
وحكى ابن حزم رحمه الله في كتابه مراتب الإجماع أن الأمة أجمعت على تحريم الرشوة، وإذا كان هذا الأمر على ما تبين لنا من تحريمه في كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله وإجماع أمة محمد (ﷺ) فإنه إنما يدل على عظم هذا الذنب، وأنه جريمة ، وأن الواجب على المسلم البعد عنه وعدم الانغماس فيه، أو التوصل إليه بأي سبيل، سواء كان بدفعها أو أخذها أو السعي والتوسط فيها.
العنصر الثالث: خطر الرشوة علي الفرد و المجتمع :
إن الرشوة خيانة عظمى للأمانة التي حمّلها الله للإنسان، ولقد حذرنا الله من الخيانة فقال: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27){ [الأنفال].
 فالموظف الذي يتقاضى راتباً من الدولة أو المؤسسة ليقوم بعمله، ثم يشترط على الناس مالاً لينهي مصالحهم أو يقدم هذا على ذاك، هو خائن للأمانة، آكل للحرام، غاشٌّ لأمته.
فالرشوة تؤدي إلى الطرد من رحمة الله  تعالى ولعنته وغضبه، هذا في الآخرة، أما
في الدنيا فهي طريق الفساد وانهيار المؤسسات ، لذا حذرنا منها حبيبنا النبي
 (ﷺ) فقال: }منِ استعملناهُ على عملٍ فرزقناهُ رِزقًا فما أخذَ بعدَ ذلكَ فهوَ غُلولٌ{ ] أخرجه أبو داود[
إن للرشوة آثاراً تدميرية على المجتمع، من أبرزها:
1ـ تضييع الحقوق وانتشار الظلم:
بالرشوة يُصبح الحق باطلاً والباطل حقاً، ويُقدَّم العاجز الفاشل لأنه يملك المال، ويُؤخَّر القوي الأمين لأنه لا يملك ما يدفعه.
والرِّشْوَةُ مُهدرة للحقوق، معطِّلة للمصالح، مُجرأَة للظلمة والمفسدين، ما فشت في مجتمع إلا وآذنت بهلاكه.
الرشوة تساعد على الإثم والعدوان، تقدم السفيه الخامل، وتبعد المُجد العامل ، كم ضيَّعت الرِّشْوَةُ من حقوق، وكم أهدرت من كرامة، وكم رفعت من لئيم وأهانت من كريم!
2ـ فساد الذمم وضياع الأمانة:
الرِّشْوَةُ نقص في الديانة، وضياع للأمانة، وعلامة على الخيانة.
وإذا فشت الرشوة سقطت هيبة النظام، وضاعت الأمانة في قلوب الموظفين، وأصبح المقياس هو المصلحة الشخصية لا المصلحة العامة.
3ـ محق البركة وانتشار الأوبئة النفسية والمادية:
المال الحرام شؤم على صاحبه؛ فلا يُستجاب معه دعاء، ولا يثمر فيه نماء، بل يكون وبالاً على الأبناء والبيوت، فالإنسان الذي يتقاضى الرشوة  فإنه يكون عُضْوَ هَدْمٍ وخرابٍ في المجتمع، ويكون خائنا للأمانة ويكون ممن يأكل حرامًا فلا يُسْمَع له دعاء، وأي جسد نبت من سحت فالنار أولى به، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال النبي(ﷺ): }أَيُّمَا لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ حَرَامٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ{، ] رواه البيهقي[
وتجد المال قد كثر في يده، ولكن الغِنَى أُبْعِد عن قلبه، فابتلاه الله عز وجل بفقر القلب، وهذا موجود في كثير ممن يتعاطون ما لا يحل لهم، تكثر دنياهم وترتفع أرصدتهم في البنوك وأرقامهم تصل إلى كذا وإلى كذا ومع ذلك، تجد حالهم في أسوأ حال، وهذا من ضنك العيش الذي وعد الله به من تَنَكَّب عن طريق الحق. قال تعالى }فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ (123) وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ (126){ ] طـه[
العنصر الرابع: أسباب انتشار الرشوة في المجتمع :
ضعف الوازع الديني :
من ضعف إيمانه ويقينه ضعفت تقواه ومن ضعفت عليه تقواه انكسر الحجاب الذي بينه وبين الله تعالى فهان عليه الاستسلام لتلك المعاصي والكبائر، ولهذا من كان تقيًّا كان أقرب للبعد عن الوقوع في هذه المحرمات؛ لأن التقوى في حقيقتها أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، وهذه الوقاية هي امتثال أوامره عز وجل ،واجتناب نواهيه الواردة في كتابه وعلى لسان رسوله (ﷺ).
 فضعف الوازع الديني يؤدي إلى اختفاء الرقابة الذاتية، وإذا اختفى الرقيب ضاعت الأخلاق ،فيؤدي إلى الاستهانة بالحرام واستحلاله.
2ـ استعجال الرزق:
استعجال الرزق والرغبة في الحصول على الثراء ولو بطريق غير مشروع، فبعض الناس يسعى ويجعل في مطامحه ومطالبه أن يكون ثَرِيًّا في وقت وجيز، فإذا جعل هذا المطمح نُصْب عينيه هان عليه الحرام في سبيل تحقيقه بكل وسيلة، ولم يعبأ بالوسائل المحرمة، فكل ما سقط في يده فهو الحلال، سواء كان من طريق حرام أو من طريق حلال، وهذا ليس من أخلاق المسلم، وقد قال رسول الله (ﷺ): «نِعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ».
 فحال المسلم دائما يطلب رزقه بطاعة الله ولا يستعجل ، ذكر صاحب المستطرف : دخل سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه المسجد وقال لرجل كان واقفا على باب المسجد: أمسك عليّ بغلتي، فأخذ الرجل لجامها، ومضى وترك البغلة، فخرج علي وفي يده درهمان ليكافىء بها الرجل على إمساكه بغلته فوجد البغلة واقفة بغير لجام، فركبها ومضى، ودفع لغلامه درهمين يشتري بهما لجاما، فوجد الغلام اللجام في السوق قد باعه السارق بدرهمين، فقال علي رضي الله عنه: إن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر، ولا يزداد على ما قدر له.
لقد تساهل الكثير في الكسب وتحصيل المال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ﷺ) قال:}يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم الحرام{؛ ]رواه البخاري[.
فتساهلوا في الغش والخداع، وفرحوا بالرشوة والغلول وأكل مال اليتيم والسرقة، ونشطوا في بيع المحرمات والإعانة عليها ونشرها، وتسابقوا في الأعمال المحرمة، حتي رأينا الرجل يبيع ذمته ودينه بعرض من الدنيا ،ورأينا المرأة تعرض جسدها لإغراء الشباب ، كل ذلك بحجة طلب الرزق، وكأن الرزق لا يكون إلا بطريق الحرام، وضعف يقينهم في أن الرزق من الله، وأنه لن يبارك في مال ورزق جاء من الحرام.
ومن ظنّ أن الرزق يأتي بحيلةٍ    فقد كذّبته نفسه وهو آثم
الطمع:
فكثير من النفوس عندها قبول للطمع، والنبي (ﷺ) وصف هذه النفسية المريضة  فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :قال رسول الله (ﷺ) }لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ{ ] أخرجه البخاري ومسلم[
 فتجد الطمع ماثلا بين عينيه وظاهرًا، وإذا طمع الإنسان فيما يحق له فهذا مشروع ، وأما إذا طمع الإنسان فيما ليس له، وأراد التكثر والتشبع بما ليس له، فهذا كلابس ثوبي زور فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ﷺ) }الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَىْ زُورٍ{. ] أخرجه البخاري ومسلم[
 فوجود الطمع في كثير من النفوس يُعد سببا في الوقوع في الفساد، وانتشار الجريمة في المجتمع ، مما يؤدي إلى هلاك المجتمع بأسره نعوذ بالله من ذلك .
 ضعف الرقابة والمتابعة :
قد يسهل لبعض الناس اختراق القوانين وتجاوزها؛ لهذا فإنه ينبغي وضع قوانين قوية وصريحة للثواب والعقاب، ومراقبة تطبيق هذه القوانين ومتابعتها بشكل دقيق وحازم .
العنصر الخامس : وسائل علاج ظاهرة الرشوة واجتثاثها:
لا بد أن نعلم يقينا أن علاج داء الرشوة واجتثاثه من جذوره لا يتم بالأماني، بل يقوم على ركيزتين عظيمتين لا تنفك إحداهما عن الأخرى:
الركيزة الأولى : الوازع الديني القائم على مراقبة الله:
إن الرشوة لا تنتشر في مجتمع إلا إذا ضعف فيه الوازع الديني، وغاب فيه الخوف من الله ومراقبته في السر والعلن، والوازع الديني هو حارس القلوب؛ فإذا غاب الخوف من الله، تلوثت الذمم، واستهان المرء بأكل السحت. فلابد من تربية الضمير وتعميق مراقبة الله في النفوس ، وتذكر الموقف بين يدي الله عز وجل وسؤاله عن المال من أين اكتسبه وفيما أنفقه، فعن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ﷺ): }لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن علمه فيمَ فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه فيمَ أبلاه{ ]رواه الترمذي[
وفي تربية الوازع الديني تعظيم للأمانة واستشعار المسئولية بين يدي الله تعالى ، فلقد عظم الله الأمانة حين عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان فقال تعالى:}إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا(72){  ]الأحزاب[  
وحث الناس على اجتناب الخيانة وبين سوء عاقبتها كما في قوله سبحانه وتعالى }يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(27){ [الأنفال[
 وكما في قوله تبارك وتعالى: }إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (58){
[النساء[
 فإذا أديت الأمانات إلى أهلها كان ذلك اجتنابًا للخيانة .
فلابد من بناء الإنسان الصالح الذي تنهض به البلاد وتستقيم به شئون العباد،
فبصلاح الإنسان ينصلح حال البلاد العباد ، لأنه إذا وُجد المؤمن الصحيح وُجدت
معه أسباب النجاح جميعا.
الركيزة الثانية :  الوازع القانوني القائم على سلطة الدولة ورقابتها.
بما أن النفوس البشرية يطرأ عليها الضعف والجشع، فإن الشريعة الإسلامية لم تكتفِ بالموعظة فحسب، والتركيز على الوازع الديني فقط، بل شرعت الرقابة والمحاسبة. من قِبل الجهات المختصة .                                             والوازع القانوني القائم على سلطة الدولة ورقابتها يتلخص في عدة نقاط أساسية...
1ـ تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية:
العدل في صرف الرواتب والمستحقات ،يعني بأن تكون على قدر العمل وعلى حاجة العامل، وأن يؤخذ هذا الجانب في الاعتبار، حتى يستغني الناس عن التطلع إلى ما في أيدي الآخرين، فالعدل أمر ينبغي أن يكون، فإذا كانت الدخول والرواتب تجزي الموظف وتغنيه عن التطلع لما في أيدي الناس كان هذا من أسباب عوامل انحسار الفساد.
2ـ العدل في تقديم الكفاءات :
هو إعطاء كل ذي حق حقه بناءً على الجدارة والاستحقاق، وليس المساواة المطلقة بين الجميع دون مبرر. يعني هذا المبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب بناءً على مهاراته، وأدائه، وقدراته الفردية.
لا النظر للاعتبارات القبيلة ونحو ذلك من الأمور والجوانب الشخصية، إنّ العدل ليس مجرد شعار يُرفع، بل هو الميزان الذي تُبنى عليه المجتمعات وتستقيم به الأمور.
إن وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ليس خيارًا إداريًا فحسب، بل هو أمانة مسؤولة؛ فعندما نُقدّم الكفاءة والخبرة والأمانة على المحسوبية والمجاملة، نضمن نهضة الأمة، واستقرار المؤسسات، وازدهار الأوطان.
«إنّ اختيار الأصلح أمانة، وبالكفاءة تُبنى الأمم وتزدهر العقول.»
وحين يسود العدل في تولي المهام:
تُصان الحقوق: ويأخذ كل ذي حق حقه بناءً على جهده وعلمه.
تتحقق الجودة: فالعقول المؤهلة هي القادرة على الابتكار والتطوير.
يستقر المجتمع: وينتشر الشغف والأمل بين الشباب والخبراء لتقديم أفضل ما لديهم.
لذلك لما جاء سيدنا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وقال يا رسولَ اللهِ ألا تستعملْني
أي في منصبٍ قال : فضرب بيدِه على منكبي ثم قال : }يا أبا ذرٍّ إنك ضعيفٌ
وإنها أمانةٌ و إنها يومَ القيامةِ خزيٌّ و ندامةٌ إلا من أخذها بحقِّها و أدَّى الذي عليه فيها{ ] أخرجه مسلم[
لذلك حذر النبي (ﷺ) من تولية أحد وفي القوم من هو أجدر وأكفأ منه واعتبر هذا الأمر خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين. فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله(ﷺ) قال:} منِ استعْمَلَ رَجُلًا مِن عِصابةٍ، وفي تلكِ العِصابةِ مَن هو أرْضَى للهِ منْه؛ فقَدْ خانَ اللهَ، وخانَ رَسولَهُ، وخانَ المُؤمِنينَ{ ] أخرجه ابن أبي عاصم والبيهقي[.
3ـ تفعيل نظام المتابعة والرقابة والمحاسبة:
تعد الرقابة القانونية والمؤسسية الركيزة الأساسية لحماية المجتمعات من الفساد والرشوة، حيث تضمن تطبيق القوانين بعدالة وتحقق الشفافية في المعاملات،
فإذا قامت الجهات الرقابية في دورها ومتابعتها المتابعة الجادة، وهيأت لها الوسائل لتحقيق ذلك، فإن هذا بإذن الله يعد من عوامل انحسار ذلك الفساد والداء العضال، ويجب أن تُعْطَى تلك الجهات الرقابية الصلاحيات لتحقيق ما يُسَهِّل مهماتها
وقد أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال استَعمَلَ رسول الله (ﷺ) رَجُلًا على صَدَقاتِ بَني سُلَيمٍ، يُدعى ابنَ اللُّتْبيَّةِ، فلَمَّا جاءَ حاسَبَه، قال: هذا مالُكُم وهذا هَديَّةٌ. فقال رَسولُ اللهِ  (ﷺ): }فهَلَّا جَلَستَ في بَيتِ أبيكَ وأُمِّكَ، حتَّى تَأتيَكَ هَديَّتُكَ إن كُنتَ صادِقًا، ثُمَّ خَطَبَنا، فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه، ثُمَّ قال: أمَّا بَعدُ، فإنِّي أستَعمِلُ الرَّجُلَ مِنكُم على العَمَلِ ممَّا ولَّاني اللهُ، فيَأتي فيَقولُ: هذا مالُكُم وهذا هَديَّةٌ أُهديَت لي، أفلا جَلَسَ في بَيتِ أبيه وأُمِّه حتَّى تَأتيَه هَديَّتُه، واللهِ لا يَأخُذُ أحَدٌ مِنكُم شيئًا بغيرِ حَقِّه إلَّا لَقيَ اللهَ يَحمِلُه يَومَ القيامةِ، فلَأعرِفَنَّ أحَدًا مِنكُم لَقيَ اللهَ يَحمِلُ بَعيرًا له رُغاءٌ، أو بَقَرةً لَها خُوارٌ، أو شاةً تَيعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَه حتَّى رُئيَ بَياضُ إبْطِه، يقولُ: اللهُمَّ هل بَلَّغتُ، بَصْرَ عَيني وسَمْعَ أُذُني{ ] أخرجه البخاري[.
فوضع المراقبين على العمال هو هدي إسلامي أصيل؛ وقد كان سيدنا عمر
ابن الخطاب رضي الله عنه يحاسب عماله بدقة، ويقاسمهم أموالهم إذا تضخمت
ثرواتهم بعد تولي المنصب.
4ـ تفعيل مبدأ "من أين لك هذا؟":
 يسهم تفعيل هذا القانون في تتبع الثروات غير المشروعة للموظفين والمسؤولين لمنع استغلال المنصب العام.
ولله در أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كان أول من رسخ
"الرقابة الإدارية والقانونية" في الإسلام، فكان يكتب أموال عماله وولاته قبل التولية، فإذا وجد ثرواتهم قد تضخمت بعد المنصب، حاسبهم وقاسمهم أموالهم تفعيلاً للمبدأ العادل: "من أين لك هذا؟".
5ـ تطبيق العقوبات الرادعة دون محاباة:
إن الرقابة القانونية والمؤسسية ضرورة شرعية وواجب وطني؛ وإن للدولة ومؤسساتها دوراً حاسماً في سد منافذ الفساد من خلال: تفعيل القوانين الرادعة: وتغليظ العقوبات على كل من تسول له نفسه استغلال منصبه لابتزاز المواطنين، ليكون عبرة لغيره، فإن الله يزغ بالسلطان ما لا يزغ بالقرآن.
ولا بد من دور للأفراد في علاج هذه الظاهرة ( الرشوة) فمحاربة الفساد مسؤولية تضامنية؛ تبدأ بامتناعك أنت عن دفع الرشوة ، وأخذ موقف إيجابي ضد هذه الظاهرة وهو من باب التعاون على البر والتقوى كما قال الله تعالى } وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ(2){ ] المائدة[ ففي ذلك نجاة للمجتمع  عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي (ﷺ) قال: }مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذْوَا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا{ ] أخرجه البخاري[
العنصر السادس: صور رائعة لأصحاب الورع عن المال الحرام.
قصص مؤثرة من مواقف السلف الصالح ترسخ قيم التعفف عن المال الحرام ومراقبة الله عز وجل..
1ـ عمر بن عبد العزيز والتفاح (الورع عن هدايا العمال)
أُتي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يوماً بتفاح من مال المسلمين (الفيء)، فبينما
 هو يقسمه، أخذ ابن له صغير تفاحة من ذلك التفاح ووضعها في فيه، فما كان من أمير المؤمنين إلا أن انتزع التفاحة من فم ابنه بالقوة حتى بكى الطفل.
ثم أسرع الغلام إلى أمه يشكو أباه، فأرسلت الأم من يشتري له تفاحاً من السوق. فلما دخل عمر بيته ووجد ريح التفاح سأل عنه، فأخبرته زوجته بما حدث، فبكى عمر بن عبد العزيز وقال:
"والله لقد انتزعتها من فمه وكأنما أنتزعها من قلبي، ولكني كرهت أن أضيع نفسي
عند الله بتفاحة من مال المسلمين!"
2ـ الصديق أبو بكر ومأكل الحرام (المسارعة للتطهر)
كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه غلام يأتيه بكسبه (خراج)، وكان أبو بكر لا يأكل شيئاً حتى يسأله من أين هذا؟ وفي ذات يوم، جاء الغلام بطعام، فأكل منه أبو بكر لقمة دون أن يسأله وكان جائعاً.
فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ كنت قد تكهنت (مارست الكهانة والدجل) لرجل في الجاهلية وما أحسن الكهانة، ولكني خدعته، فلقيني اليوم فأعطاني هذا الطعام الذي
أكلت منه!
فما كان من الصديق رضي الله عنه إلا أن ذعر ذعراً شديداً، وأدخل إصبعه في حلقه وجعل يتقيأ بعنف حتى أخرج كل ما في بطنه، فقيل له: يرحمك الله، كل هذا من أجل لقمة؟
فقال: "لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به)، فخشيت أن ينبت جسدي من هذه اللقمة."
3ـ الإمام الشافعي ولقمة الشبهة (الفراسة والنور الرباني):
نزل الإمام الشافعي ضيفاً على أحد إخوانه من أهل العلم، وكان صاحب البيت صالحاً طاهراً، فقدم للشافعي طعاماً، فلما أكل الشافعي، شعر بضيق في صدره وتكدر في وضوحه الذهني عند مراجعة العلم في تلك الليلة.
فسأل الشافعي عن مصدر الطعام ولحم الشاة التي أكل منها، فبحث صاحب البيت، فاكتشف أن الشاة قد رعت في أرض ليتامى دون إذن أو علم الأوصياء عليها (شبهة مال حرام).
فبكى الشافعي وقال: "إن للحرام شؤماً يظلم به القلب، وإن العبد إذا أكل الحرام أو الشبهة حُرم نور الفراسة وحلاوة المناجاة."
4ـ الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهدية ملك الروم:
السيدة أم كلثوم بنت علي أبي طالب زوجة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسلت بالفعل هدية (طيب وأغراض نسائية) مع بريد الدولة الرسمي إلى ملكة الروم ، فردت الملكة بهدية فيها عقد فاخر.
وعندما عاد البريد، أمر عمر بن الخطاب بنداء "الصلاة جامعة" واستشار الصحابة عامة.
قال بعضهم: "هو لها بالذي أهدته"، وقال آخرون أراء مختلفة.
قرر سيدنا عمر رضي الله عنه أن الرسول والبريد هما من موارد المسلمين.
فأعطى زوجته أم كلثوم مقدار نفقتها (قيمة هديتها الأصلية)، وجعل الباقي في بيت مال المسلمين ولم يترك الأمر للتخمين
ليت الذين يستغلون مناصبهم وكراسيهم في الحصول على الهدايا والرشاوى والعمولات والإكراميات يستفيدون شيئا من هذه القصة فلو وزعت الهدايا والأموال التي يحصلون عليها على فقراء المسلمين لما مد أحد يده ،ولو كان منهم من هو بعدل عمر لما واجهتنا اي أزمة، ولو كان هناك من يُسدِي النصيحة لاستقامت الامة
فالله الله في أنفسكم وأعمالكم قبل أن ينتهى العمر ويضيع  كل شيء.
الخاتمة ..
إن تحري الحلال له تأثير على نفسك، وجميع جوارحك، قال سهل رضي الله عنه: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، علم أو لم يعلم؛ ومن كانت طعمته حلالاً أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات
فعلينا بخير زاد وهو التقوى كما قال تعالى }وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى(197){  ]البقرة]
نسأل الله العظيم أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه إنه ولي ذلك ومولاه.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
اللهم طهر أموالنا من الحرام، وطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء.
اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


===================

رابط pdf

https://top4top.io/downloadf-3862lsl0x1-pdf.html


رابط doc

https://top4top.io/downloadf-3862hpfx02-docx.html


 




ليست هناك تعليقات: