26 أكتوبر 2026

قصة صاحب الدَّيْن والخشبة دروس وعبر

 


ملخص القصة
أخرج الشيخان البخاري ومسلم  في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي (ﷺ) أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل:} ذهب إلى رجل، وقال له: أقرضني ألف دينار أتَّجر بها.
قال له الرجل: ائتني بكفيل.
قال له: كفى بالله كفيلاً ! قال: صدقت،
ائتني بشهيد. قال: كفى بالله شهيداً.
قال: صدقت، خذ الألف دينار.
فأخذ الرجل الألف دينار وانطلق يتَّجر بها في البحر، فلما حان موعد الوفاء التمس الرجلُ المدين مركباً، وكان بين الدائن والمدين بحراً فلم يجد؛ إذ كانت الأمواج والرياح شديدة، فوقفت حركة الملاحة، والرجل صاحب الدين على الشاطئ الآخر ينتظر، فلما يئس المدين أخذ خشبةً ونَقَرها ووضع فيها الألف دينار مع كتابٍ إلى صاحبه: من فلان ابن فلان ... ثم أحكم إغلاقها ووضعها في البحر، وقال: (اللهم إنك تعلم أنني تسلفتُ من فلان ألف دينار، وأنه قد حال بيني وبينه الموج، وقد جعلتُك كفيلاً ووكيلاً، فأوصل هذا الدَّين إلى صاحبه، وقذف بالخشبة في البحر، وهو في كل ذلك جاهداً يلتمس مركباً حتى يذهب إلى صاحبه).
وبينما كان الرجل (صاحب الدين) واقفاً على الشاطئ ينتظر أيَّ مركب، فلم يجد؛ لكنه وجد أمامه خشبةً تطفو فوق الماء، فقال: آخذها أستدفئ بها أنا وأولادي، فلما أخذها وذهب إلى بيته نقرها بقدوم فسقطت منها الصرة، ففتحَها فإذا بالألف دينار والرسالة: من فلان إلى فلان، إنه قد حال بيني وبينك الموج، وقد جعلت الله وكيلاً وكفيلاً، وهذا دينك.
وكان الرجل المدين يلتمس في كل ذلك مركباً حتى وجد مركباً فركبه وأخذ ألف دينار أخرى وذهب إلى صاحب الدَّين، وقال: والله لقد جهدتُ أن أجد مركباً قبل هذا فما استطعتُ، خذ الألف دينار، فقال الرجل الآخر: هل أرسلتَ إلي شيئاً؟
فقال له: سبحان الله! أقول لك: هذا أول مركب وتقول لي: هل أرسلت شيئاً؟!
فقال له صاحب الدَّين: قد أدى الله عنك، فخذ مالك وارجع راشداً{.
هذا الحديث من أجل الأحاديث في باب الورع والتوكل على الله عز وجل، قال أبو هريرة راوي الحديث: ( فكنا نختلف بين يدي رسول الله (ﷺ) أيهما آمَن -أي: أيهما أشد إيماناً من صاحبه- الذي رمى بالخشبة في البحر وهو موقن أن  الله لن يضيعه، أم الذي أخذ المال وكان أميناً؟ لأنه كان يستطيع أن يجحد ويقول: ما وصلني شيء.

الدروس والعبر المستفادة من القصة:

1ـ عظم الأمانة وشدة حرص المؤمن عليها:

الرجل لم يكن مجبراً قانونياً أو أمام شهداء بشريين على رد المال بعد تعذر وسفر السفن، ومع ذلك دفعه إيمانه وضميره الحي للبحث عن أي حيلة مشروعة لأداء الحق لأهله.

وصدق الأمانة عند الدائن الذي وجد المال في الخشبة وردّه ولم يجحده رغم قدرته على ذلك.

2ـ أهمية الأمانة والوفاء بالوعود والعهود::

حرص المدين على رد الحق لصاحبه بذل فيه كل أسباب الجهد ولم ينسه طول الأمد

 أو انقطاع السبل.

وتؤكد القصة على أن الالتزام بالوعود المالية والأدبية هو سمة أساسية للمؤمن، 

وأن إخلافها فيه خطر عظيم على أمانة المرء ودينه.

والالتزام بهذه الخصال من مظاهر المجتمع الإيماني الذي كتب الله له الفلاح في الدنيا

 الفردوس الأعلى يوم القيامة فقال تعالى }وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ (8){ 

] المؤمنون  [

3ـ تمام الوفاء:

جاء المقترض بعد حين ومعه ألف دينار أخرى، واعتذر لتأخره لعدم توفر مركب قبل ذلك،

 فأخبره صاحب المال أن الله قد أدى عنه ما أرسله في الخشبة، فانصرف بماله سالماً.

نظافة القلوب وأمانة الطرفين، صدق المدين وورع صاحب المال وعدم جحوده للحق.

4ـ صدق النية يعين عليها الله:

لأن الرجل كانت نيته صادقة وحازمة في سداد الدين، سخر الله له الأسباب وحفظ ماله عبر البحر الواسع حتى وصل كاملاً لصاحبه.والنبي (ﷺ) يخبر بذلك فعن ابي هريرة رضي الله 

عنه: أن النبي(ﷺ)قال :}مَن أخَذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ أداءَها أدَّى اللهُ عنه، ومَن أخَذَ يُريدُ إتلافَها أتلَفَه اللهُ{. 

 ] رواه البخاري[

فجزاء الأمانة الصدق والبركة ، حيث انتهت القصة برد الحق لصاحبه وبراءة ذمة المستدين، مما يعزز الثقة والتعامل بالأخلاق الفاضلة في المجتمع.

5ـ جواز الاقتراض عند الحاجة:

القرض الحسن وسيلة تعاون نبيلة تقضي حوائج الناس وتفرّج كربهم.

جاء رجل إلى آخر يسأله أن يُسلفه ألف دينار، فطلب المُقرض شاهداً وكفيلاً، فقال المدين: 

«كفى بالله كفيلاً وكفى بالله شهيداً»، فرضي صاحبه وأعطاه المال لأجل مسمى.

6ـ العذر والظرف:
سافر المقترض بالمال للتجارة، فلما حلّ أجل السداد، أراد الرجوع إلى صاحبه في الموعد المحدّد فلم يجد أي مركب أو سفينة تبرز به إلى الجانب الآخر.
7ـ حيلة الخشبة وكمال التوكل والثقة المطلقة بالله:
خاف الرجل أن يضيع حق صاحبه، فأخذ خشبة فنقرها (حفرها)، ووضع فيها
الألف دينار مع رسالة يعتذر فيها، ثم ألقاها في البحر وقال: «اللهم إنك تعلم أني تسلفت من فلان ألف دينار، وأنه جعلتك كفيلاً ووكيلاً، وأني اجتهدت ألا أجد مركباً، وإني أستودعك إياها»، وقذفها في البحر وظل يبحث عن مركب.
وقول الرجل: "كفى بالله كفيلاً.. كفى بالله شهيداً" ثم إلقاء المال في أمواج البحر العاتية مع استوداعه لله، يمثل أعلى درجات اليقين بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ولا يخيب ظن الصادقين.
8ـ حفظ الله للعباد:
لطف الله الخفي وتدبيره العجيب الذي يوصل الحقوق لأصحابها بطرق لا تخطر على بال، وحفظ الله لمن توكل عليه وجعل أمره إليه، وإنجازه للوعود بطرق لا تخطر على بال بشر.

===============================

🌟 استبيان أبطال الأمانة : قصة صاحب الدين والخشبة 🌟

أهلاً بك يا بطل! 

الهدف من الاستبيان:

يهدف هذا الاستبيان إلى قياس الأثر المعرفي والوجداني لقصة "صاحب الدين والخشبة" ،

 ومعرفة مدى انعكاس قيمها (كالصدق، والأمانة، والتوكل الحقيقي على الله، ووفاء بالعهود) على سلوكياتنا اليومية.

ضع علامة (✓) في الخيار الذي يعبر عن رأيك بدقة.

المحور الأول: الجانب المعرفي والاطلاع على القصة:

1ـ هل سمعت من قبل عن قصة الرجل الذي وضع الألف دينار داخل الخشبة ورمى بها في البحر؟

 [  ] نعم، أعرفها جيداً!

 [  ] سمعت عنها قليلاً.

 [  ] أول مرة أسمع بها اليوم.

2ـ برأيك، ما هو المعنى الأبرز الذي تركز عليه القصة؟

[  ]  خطورة وأهمية سداد الديون.

[  ]  كمال التوكل على الله وحفظه لمن استودعه.

[  ]  عظم الأمانة والصدق في المعاملات المالية.

[  ]  جميع ما سبق.

3ـ عندما لم يجد الرجل المقترض سفينة لسفر، قام بحفر الخشبة ووضع المال فيها ودعا الله 

أن توصلها للرجل الآخر. ما رأيك فيما فعله؟

[  ] تصرف ذكي ويدل على أنه يحب أداء الأمانة بأي طريقة.

[  ] تصرف عجيب لكنه يدل على ثقته الكبيرة بالله.

[  ] لم أكن أتوقع أن تنجح هذه الطريقة.

المحور الثاني: قيم التوكل والثقة بالله تعالى:

1ـ قول المقترض: "كفى بالله كفيلاً.. كفى بالله شهيداً" يعكس مستوى عالياً من اليقين.

هل ترى أن هذا المفهوم قابل للتطبيق في تعاملاتنا المالية المعاصرة؟

[  ]  أوافق بشدة (يمكن الاعتماد على الوازع الديني والأخلاقي بجانب الوثائق).

[  ]  أوافق بدرجة متوسطة (الوثائق والكفلاء البشريون ضرورة حتمية في عصرنا).

[  ] لا أوافق (لا يمكن الاستغناء عن الضمانات المادية والقانونية قط).
2ـ إلى أي مدى تثق بأن الله سبحانه وتعالى يتكفل بنصر ومعونة من يصدق في نية سداد دينه وأداء حقوق الناس؟
[  ]  أثق تماماً ولا شك في ذلك.
[  ]  أثق إلى حد ما.
[  ]  محايد / لست متأكداً.
3ـ قال الرجل عندما اقترض المال: "كفى بالله شهيداً، وكفى بالله كفيلاً".
ماذا تتعلم من هذه الجملة؟
[  ] أن الله يرانا ويشهد على كل وعودنا وعهودنا.
[  ] أن من يعتمد على الله ويلجأ إليه يساعده ويحميه.
[  ] أتعلم السلوكين معاً.
المحور الثالث: الأمانة والوفاء بالعهد:
1ـ لو كنت مكان صاحب المال (المُسْلِف)، وجاءك الغريم يخبرك أنه أرسل المال عبر البحر داخل خشبة لتعذر وسائط النقل، ووجدت المال بالفعل،
ما ردة فعلِك المتوقعة ؟
[  ]  سأعتبره شخصاً شديد الأمانة والصدق، وأقدر إخلاصه.
[  ]  سأندهش ولكنني سأقبل المال باعتباره حقّي.
[  ]  سأشك في الأمر أو أعتبرها مصادفة بحتة.
2ـ برزت أمانة المقترض في كونه كان بإمكانه إنكار المال لعدم وجود شهود مكتوبين، لكنه آثر الوفاء.
كيف تقيّم مستوى الأمانة المالية في المجتمع حالياً مقارنة بهذه القيم؟
[  ]  الأمانة عالية والحمد لله.
[  ]  متوسطة، وتحتاج إلى تذكير وتعزيز مستمر.
[  ]  ضعيفة، وهناك تساهل كبير في حقوق الآخرين والديون.
3ـ إذا وعدت أحداً بأمر ما (مثل الوالدين أو الأصدقاء)، كيف تتعامل مع هذا الوعد؟
[  ] أحاول جاهداً أن أوفي بوعدي لأني أعلم أن الله يراني.
[  ] أوفي بوعدي إذا كان الأمر سهلاً فقط.
[  ] أحياناً أنسى ولا أهتم.
4ـ ما هي أكثر قيمة أعجبتك في القصة وتريد أن تلتزم بها دائماً؟
[  ] الأمانة: أرد الحقوق والأشياء لأصحابها.
[  ] التوكل على الله: أثق أن الله معي دائمًا ويساعدني.
[  ] الصدق والوفاء بالعهد: أفي بوعودي دائماً.

المحور الرابع: الدروس المستفادة والتطبيق العملي:

1ـ رتب العوامل التالية حسب الأهمية من وجهة نظرك في تحقيق البركة وتيسير الأمور عند الاقتراض أو التعامل المالي:


2ـ كيف نطبق القصة في حياتنا اليومية؟

3ـ شارك برأيك !!

لو أردت أن تنصح صديقك بكلمة واحدة عن الأمانة والصدق، ماذا تقول له؟

 ============ 

رابط pdf

https://top4top.io/downloadf-3951lhm4i1-pdf.html


25 أكتوبر 2026

سنن الفطرة




الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وفطره على الإسلام، وأمر بالطهور والتجمل والنظافة.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعـــد :
فإن الإسلام دين الطهارة والنظافة، الإسلام دين يربط بين صلاح القلب وصلاح البدن، ومن أعظم ما فطر الله عليه عباده واختار له أنبياءه ورسله ما يُعرف بـ "سنن الفطرة".
التعريف بسنن الفطرة:
هي مجموعة من الخصال والآداب التي دعا إليها الإسلام لتطهير البدن، وتحسين المظهر، وتزكية النفس، وهي تمثل النظام الصحي والجمالي الذي اتفقت عليه الشرائع السماوية وارتضته الطباع البشرية السليمة.
قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الروم: 30، 31].
الأدلة الصحيحة من السنة النبوية:
ثبتت سنن الفطرة في أعلى درجات الصحة في السنة النبوية، ومنها:
حديث الخمس:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي (ﷺ) يقول: }خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظَافِرِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ{ ]متفق عليه[
حديث العشر  :
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ﷺ) }عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ (الاستنجاء(،
قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة{  ]صحيح مسلم[
أبرز سنن الفطرة:
وردت هذه السنن في الأحاديث النبوية الشريفة مجملة ومفصلة، ومن أهمها ما يلي:
الختان: قطع الجلدة الزائدة لمصلحة الطهارة والنظافة.
الاستحداد: حلق الشعر النابت حول العانة لحماية الجسم من الجراثيم.
قص الشارب: تقليم الشعر النابت على الشفة العليا حتى لا يتعرض للطعام
والشراب.
تقليم الأظفار: قص أظافر اليدين والقدمين لمنع تجمع الأوساخ تحتها.
نتف الإبط: إزالة شعر الإبطين لتجنب انبعاث الروائح الكريهة.
إعفاء اللحية: ترك شعر اللحية للرجال وتوفيره من غير حلق.
السواك: تنظيف الفم والأسنان لتطييب الرائحة والحفاظ على الصحة.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحرص عليه، بل كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك، وهو مطهرة للفم مرضاة للرب.
استنشاق الماء والمضمضة: تنظيف الأنف والفم بالماء أثناء الوضوء.
غسل البراجم: تنظيف المفاصل والعقد الموجودة في ظهر الأصابع.
استنجاء الماء: غسل مخرجي البول والغائط بعد قضاء الحاجة.
الحكمة من سنن الفطرة:
إن سنن الفطرة لم تشرع عبثاً، بل هي لِحِكَمٍ جليلة ومصالح عظيمة:
النظافة والوقاية الصحية:
فقص الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة وإزالة الوسخ تمنع تراكم الأوساخ والجراثيم التي تسبب الروائح الكريهة والأمراض.
كمال الهيئة والجمال:
يظهر المسلم بمظهر لائق، نظيف البدن، حسن الهيئة، مخالفاً للمشركين وأهل الفساد في صورهم.
المدة المحددة لتطبيقها:
أشار النبي (ﷺ) إلى ضرورة تعاهد هذه السنن بشكل دوري، حيث وُقِّت للمسلمين ألا تُترك بعض هذه الخصال: (مثل قص الشارب، تقليم الأظفار، نتف الإبط، وحلق العانة لأكثر من أربعين يوماً)
وذلك لضمان المحافظة الدائمة على النظافة الشخصية والمظهر الحسن ومنع تراكم الأوساخ.
فإزالة شعر العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار من خصال الفطرة التي ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها، ولا ينبغي أن تترك أكثر من أربعين يوما، بل ينبغي فعلها إذا دعت الحاجة إليها قبل ذلك.
قال المناوي في فيض القدير بعد أن ذكر استحباب قص الشارب ونتف شعر الإبط وحلق شعر العانة:
"وهذه الثلاثة لا تترك أكثر من أربعين يوما، لحديث أبي داود عن أنس: وقت لنا
رسول الله (ﷺ) في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة ـ فهي مضبوطة بالحاجة، والأربعون غاية الترك، والأفضل فعلها في كل أسبوع فيندب تعهد ذلك كل جمعة، فإن لم يفعل فلا يهمله فوق أربعين".
فإن حصلت صعوبة في حلق شعر العانة أو نتف الإبط، فيمكن الاقتصار على القص كما تمكن الاستعانة ببعض مزيلات الشعر التي صارت متوافرة، ولا تترك السنة.
فاللهَ اللهَ يا عبادَ الله في المحافظة على هذه السنن العظيمة، فهي عنوان النقاء، ودليل الاستقامة، وبرهان الإيمان.
تذكروا دائماً أن النظافة في الإسلام ليست مجرد عادة، بل هي عبادة وقربة، فالطهور شطر الإيمان.
فالواجب على المسلم أن يعتني بجسمه، ويربي أبناءه على هذه السنن، حتى ينشأ الجيل على الطهارة والجمال والاستقامة.
-----------------------------------------------------------------------
الأحكام الفقهية والفوائد الطبية (لكل خصلة):

تنقسم سنن الفطرة في الفقه الإسلامي بين الواجب والمستحب، مع الإجماع على كراهة تركها لأكثر من 40 ليلة.



اللهم طهر قلوبنا ونقّ أعمالنا، واجعلنا من عبادك المتقين، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

رابط pdf

https://top4top.io/downloadf-39501yaca1-pdf.html


 

 

13 أكتوبر 2026

وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً

 



                        وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً

لماذا لم يقل الله تعالى: «وجعل بينكم حبًّا»؟ ولماذا اختار كلمتين أعمق وأعظم: «مَوَدَّةً وَرَحْمَةً»؟ 

 
أحيانًا تكون أعظم أسرار الحياة الزوجية مختبئة في كلمتين من كتاب الله، إذا تأملناهما أدركنا أن الزواج في الإسلام ليس مجرد مشاعر تشتعل في القلب، بل سَكَنٌ وأمانٌ واحتواءٌ ورحمةٌ تبقى حتى عندما تتغير الظروف وتتبدل الأحوال!
 يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ 

تأملوا عظمة التعبير القرآني!
لم يجعل الله تعالى أساس العلاقة الزوجية مجرد الحب، بل ذكر المودة والرحمة، وكأن الآية تلفت أنظارنا إلى حقيقة عميقة: أن نجاح الزواج لا يتوقف على ما يشعر به الإنسان في قلبه فحسب، بل يتوقف أيضًا على ما يقدمه لشريك حياته من أفعال ومواقف ومعاملة.
 فما الفرق بين الحب والمودة والرحمة؟
الحب شعور جميل قد يولد في القلب دون تخطيط، وقد يكون في بدايات العلاقة قويًّا ومشتعلًا، لكن المشاعر وحدها لا تكفي لبناء بيت مستقر، ولا تضمن أن تبقى العلاقة جميلة أمام ضغوط الحياة واختلاف الطباع وتراكم المسؤوليات.
أما المودة، فهي الحب حين يتحول إلى أفعال؛ كلمة طيبة، واهتمام صادق، واحتواء في أوقات التعب، ووفاء في أوقات الغياب، وحرص على إسعاد الطرف الآخر حتى في أبسط التفاصيل.
وأما الرحمة، فهي أن تتذكر إنسانية شريك حياتك حين يغضب، وأن تراعي ضعفه حين يتعب، وأن تعذره حين يخطئ، وألا تجعل من خلاف عابر سببًا لإهدار سنوات من العِشرة الجميلة.
 المودة تقول: أنا أحبك، والرحمة تقول: لن أؤذيك حتى حين أكون غاضبًا منك!
المودة تجعلك تقترب من شريك حياتك حين يكون سعيدًا، والرحمة تجعلك تتمسك بكرامته واحتوائه حين يكون ضعيفًا أو مريضًا أو مثقلًا بهموم الحياة.
المودة تظهر في الكلمات والابتسامات والهدايا والاهتمام، أما الرحمة فتظهر بوضوح حين تضيق الحياة، وتشتد الأزمات، وتضعف القدرة على العطاء، ويحتاج أحد الزوجين إلى من يصبر عليه بدلًا من أن يثقل عليه.
وهنا تكمن عظمة الزواج في التصور الإسلامي!
ليس المطلوب أن تعيش مع إنسان لا يخطئ، ولا أن تبقى المشاعر في أعلى درجاتها كل يوم، ولا أن تخلو الحياة من الخلافات؛ فهذه طبيعة البشر.
إنما الجمال الحقيقي أن تجد من يختلف معك دون أن يهينك، ويغضب منك دون أن يظلمك، ويعاتبك دون أن يكسر قلبك، ويعرف عيوبك دون أن يتخذها سلاحًا ضدك.
أن تجد إنسانًا إذا ضعفتَ كان عونًا لك، وإذا أخطأتَ نصحك برفق، وإذا أثقلتك الحياة لم يجعلك تواجهها وحدك.
ذلك هو المعنى الذي يجعل البيت سكنًا، والزواج ميثاقًا غليظًا، والعِشرة رحلة تتجاوز حدود الانجذاب والمشاعر العابرة.

والأجمل أن القرآن جمع بين المودة والرحمة!

فالمودة تمنح العلاقة دفئها، والرحمة تمنحها قدرتها على الصمود. والمودة تقرّب القلوب، والرحمة تحفظها من القسوة. وإذا اجتمعتا، أصبح البيت مكانًا يجد فيه الزوجان الطمأنينة، لا ساحةً يتنافسان فيها على الانتصار في كل خلاف.
ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن تقدمه لشريك حياتك ليس أن تخبره دائمًا أنك تحبه، بل أن تجعله يشعر بالأمان معك، وأن يطمئن إلى أنك لن تتخلى عن احترامه وكرامته عندما تختلفان.
رسالة إلى كل زوج وزوجة:
لا تسألوا فقط: هل ما زلنا نحب بعضنا كما كنا في البداية؟
بل اسألوا أنفسكم أيضًا: هل ما زلنا نرحم بعضنا حين نتعب؟ هل نحفظ لبعضنا الكرامة حين نختلف؟ هل نُحسن الاستماع حين يضيق أحدنا؟ هل ما زلنا نختار اللين بدلًا من القسوة، والتفاهم بدلًا من العناد، والاحتواء بدلًا من التجاهل؟
فقد لا تستطيع أن تمنع كل خلاف، لكنك تستطيع أن تمنع الظلم والإهانة. وقد لا تستطيع أن تجعل الحياة سهلة دائمًا، لكنك تستطيع أن تجعل شريك حياتك لا يشعر بأنه وحيد في مواجهتها.
 ما أعظم أن يكون بيتك مكانًا للسكينة، لا للخوف؛ وللرحمة، لا للقسوة؛ وللمودة، لا للجفاء!
تلك هي النعمة التي تستحق الشكر، والعلاقة التي تستحق الرعاية، والعِشرة التي لا تُبنى بالكلمات الجميلة وحدها، بل بالصبر والإحسان والوفاء وحسن المعاملة.
اللهم ارزق بيوتنا المودة والرحمة، وألّف بين قلوب الأزواج، واجعل بيوتنا سكنًا وأمانًا، وأعنّا على حسن العِشرة وجميل الخلق، واجعلنا ممن يتراحمون ويتغافرون ويتقونك فيمن يحبون. 
دمتم في مودةٍ ورحمة، وجعل الله بيوتكم عامرةً بالسكينة والطمأنينة. 

9 أكتوبر 2026

القدوة وأثرها على الفرد والمجتمع




الحمد لله رب العالمين .. جَعلَ لنَا مِنَ الأنبيَاءِ والصَّالحِينَ قُدوَةً وَمَثَلاً ، فقال تعالي } أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90){ [الأنعام].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ بفضلِهِ، ويُذِلُّ مَن يشَاءُ بِعدْلِهِ... أَمَرَ بِالتَّأَسِّي وَالِاقْتِدَاءِ بِصَفْوَةِ خَلْقِهِ (ﷺ(،فقال تعالى } لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا (21){ [الصف].
وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ قُدْوَةٍ وَأَفْضَلُ أُسْوَةٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُ وَاستَنَّ بِسُنَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، رغب المسلم أن يكون قدوة حسنة، وحذره أن يكون قدوة سيئة فقال (ﷺ( }من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غيـر أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء{.]أخرجه مسلم في صحيحه[.
فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما ...
أما بعد .. فيا أيها المؤمنون ...
إنَّ موضوع القدوة من المواضيع المهمة جدًّا في حياة البشرية، فالرموز الشخصية والمُثُل العليا جميعها مفاهيم يمكن أن تسهم في بناء الفرد أو تدميره، وتبدو تلك المفاهيم ذات أهمية وتأثير قوي، خاصة في المجتمعات التي لا تزال في طور النمو والتطور، وإنَّ اقتداءَ الْبشَرِ بعضِهِمْ ببعْضٍ فِطْرَةٌ جِبِلِّيَّةٌ، وَسُنَّةٌ آدَمِيَّةٌ، جَبَلَ اللهُ النفُوسَ عليهَا، فتَرَى النَّاسَ يُقَلِّدُ بعضُهُمْ بعْضًا، سَواءٌ كانَ هذَا التَّقلِيدُ في الخيرِ أوْ في الشَّرِّ.
والقدوة أو المثل الأعلى يمكن أن يكون مدمّرًا وخطرًا على الفرد والمجتمع إذا لم نتخذ قدة حسنة ، فالقدوة الحسنة هي الركيزة في المجتمع، وهي عامل التحوُّل السريع الفعَّال، فالقدوة عنصر مهم في كلِّ مجتمع، فمهما كان أفراده صالحين، فهم في أمَسِّ الحاجة للاقتداء بالنماذج الحيَّة، كيف لا وقد أمرَ الله نبيَّه (ﷺ( في سورة الأنعام بعد أن ذكَر ثمانية عشر نبيًّا بالاقتداء بهم ، فقال تعالي:} أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90){ [الأنعام].
ولَمَّا اشْتَدَّ بِهِ البَلاءُ أَمرَهُ اللهُ بالصَّبرِ كإخْوانِهِ مِنَ الأنبيَاءِ فقالَ سُبحَانَهُ:}فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (35){ [الأحقاف].
هكَذا تكونُ القُدوةُ تَأْخُذُ بِيَدِ الإنسانِ إِلى مَعَالِي الأمُورِ، وتجْعَلُهُ يتَغَاضَى عَن سَفَاسِفِهَا.
لذلك كان حديثنا عن }القدوة وأثرها علي الفرد والمجتمع{ وذلك من خلال هذه العناصر الرئيسية التالية ...
1ـ تعريف القدوة .
2ـ حاجة الناس إلي القدوة .
3ـ  القدوة الصالحة وأثرها علي الفرد والمجتمع .
4ـ مقومات القدوة الصالحة.
5ـ القدوة السيئة وخطرها علي المجتمع.
6ـ مصادر القدوة الصالحة .
7ـ الخاتمة.
العنصر الأول : تعريف القدوة :
القُدوة في اللغة : تعني الأسوة.
والقدوة: هي عبارة عن الشخص والمثال الأعلى الذي يُقتدى به والنموذج المثالي في تصرّفاته وأفعاله وسلوكه، بحيث يُطابق قوله عمله ويُصدّقه، ويكون القدوة بالنسبة لأتباعه مثالاً سامياً وراقياً، فيعملون على تقليده وتطبيق نهجه والحذو حذوه، وينبع تقليدهم إياه من الإرادة والقناعة الشخصيّة للمقتدي، لا بالضغط الخارجي أو الإلزام من جهة القدوة بذلك.
وقد عُرِّفت القدوة بأنها:
"إحداث تغيير في سُلُوك الفرد في الاتجاه المرغوب فيه، عن طريق القدوة الصالحة؛ وذلك بأن يتَّخذ شخصًا أو أكثر يتحقَّق فيهم الصلاح؛ ليتشبَّه به، ويُصبح ما يطلب من السلوك المثالي أمرًا واقعيًّا ممكنَ التطبيق".
فالهدف من اتباع القدوة الرقي لأعلى مستوى من الأخلاق والتعامل والعلم.
ودين الإسلام دين القدوة، وأصحاب الهِمم العالية هم الذين يسعون ليكونوا قدوة حسنة، وأعظم قدوة في الإسلام هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم نبيُّنا محمد (ﷺ( ولذلك جعَله الله لنا أُسوة وقدوة، بل وأمرنا بالاقتداء به، فقال تعالي} لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21){[الأحزاب].
العنصر الثاني : حاجة الناس إلي القدوة :
إنَّ حاجة المجتمعات البشرية إلى القدوة الحسنة ليست مجرد ترفٍ فكري أو
كمالي ، بل هي ضرورة فطرية ونفسية واجتماعية لا يمكن للاستقامة الإنسانية أن تتحقق بدونها، كما أن الحاجة تشتدُّ إلى القدوة الحسنة كلَّما بَعُد الناس عن الالتزام بقِيَم الإسلام وأخلاقه وأحكامه.
ويمكن تلخيص أسباب شدة حاجة الناس إلى القدوة في النقاط المركزة التالية:
1ـ الطبيعة البشرية تميل للمحاكاة (غريزة التقليد):
الإنسان مفطور على التقليد والمحاكاة منذ نعومة أظفاره؛ فالطفل يتعلم الكلام والسلوك بتقليد والديه.
وجود نموذج حي أمام العين يسهّل على النفس البشرية الاقتداء به تلقائياً دون عناء نظري.
لذلك أوصى أحد السلف معلم ولده قائلاً: "لتكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت".
لقد بيّن الوالد لذلك المعلم أثر القدوة على الولد، فالقدوة توفِّر الكثير من الوقت والجهد على الوالدين في تربية أبنائهم ومحاولة غرس السلوكيات الجيدة فيهم، فعندما يختار الطفل القدوة الجيدة فإنه يقلِّدها في سلوكياتها.
فحاجة الناس إلى الفعل أكثر من القول؛ لأن مستويات فهم الكلام عند الناس تتفاوت، ولكن الجميع يتساوى أمام الرؤية بالعين المجردة لمثال حي، ولهذا لما اتَّخَذَ النَّبِيُّ (ﷺ( خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ اتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ النَّبِيُّ (ﷺ(   }إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَنَبَذَهُ وَقَالَ: إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا" فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ {.]رواه البخاري ومسلم[
2ـ القدوة تحوّل المبادئ الصامتة إلى واقع حي:
الأفكار والمثُل العليا تظل حبراً على ورق ونظريات جامدة في الكتب ما لم يرَ الناس رجلاً يترجمها بفعله.
حين يرى الناس صادقاً، وأميناً، وعادلاً يتحرك بينهم، يدركون أن هذه القيم ممكنة التطبيق وليست مستحيلة. - أن المثال الحي المرتقي في درجات الكمال السلوكي، يُثير في الأنفس الاستحسان والإعجاب.
وأوضح دليل على هذا الأثر ما وقع في يوم الحديبية، ففي صحيح البخاري قال عمر : فلما فَرغ من قضية الكتاب أي: بنود الصلح قال رسول الله (ﷺ(لأصحابه: "قوموا، فانحروا ثم احلقوا"، قال: فوالله، ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة رضي الله عنها: يا نبيّ الله، أتحبّ ذلك؟ اخرُج لا تكلّم أحدًا منهم كلمةً حتى تنحر بُدْنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلّم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضُهم يقتل بعضًا غمًّا". [صحيح الإمام البخاري ومسند الإمام أحمد].
3ـ الفعل أبلغ من القول (تأثير القدوة الصامتة):
الوعظ والكلام البليغ قد يشنف الآذان، لكن السلوك العملي هو الذي يملك القلوب ويوجه العقول.
لغة الأفعال لغة عالمية يفهمها الصغير والكبير، والجاهل والمتعلم، ولذلك كان الأنبياء يقرنون دعوتهم بالعمل الصالح ليكونوا أسوة لأقوامهم.
فإنَّ المثال الحي الذي يتحلَّى بجُملة من الفضائل السلوكيَّة، يُعطي غيرَه قناعة بأن بلوغَها من الأمور التي هي في متناول القدرات الإنسانية، وشاهد الحال أقوى من شاهد المقال، وحال رجل في ألف رجل أبلع من قول ألف رجل لرجل.
4ـ القدوة تمنح النفس الطمأنينة والثبات:
عندما يسير الإنسان في طريق الحق والصلاح، قد يستوحش من قلة السالكين أو كثرة الفتن.
وجود قدوة صالحة يمنح السالك طاقة إيجابية وطمأنينة، ويعطيه دليلاً عملياً بأن طريق الخير له رجال ثبتوا عليه ونجحوا.
فالقُدوة الحسنة هي المحرِّك والدافع للإنسان للارتقاء بالذات، فمَن جعَل له قدوة عظيمة في صفاته، فلا بدَّ أن يتأسى به في كلِّ صفاته، فالقدوة المؤثرة مثال حي للارتقاء في درجات الكمال، فهو دائمًا يطلب الكمال ويطلب المعالي، فهو بذلك مثارٌ للإعجاب والتقليد من الناس؛ لأن التأثُّر بالأفعال والسلوك أبلغُ وأكثر من التأثر بالكلام والأقوال.
5ـ حماية الشباب والناشئة من الانحراف:
في زمن "الانفتاح الرقمي"، إذا لم يجد الشباب قدوات صالحة وحقيقية في بيوتهم ومجتمعاتهم (كالآباء والمعلمين)، فستتخطفهم القدوات المزيفة والمضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إبراز القدوة الحقيقية يحمي عقول الجيل الجديد من التبعية الفكرية والسلوكية العمياء.
قالقدوة من أهميتها تنتج أفراد يتسمون بالسلوكيات والصفات الجيّدة مثل المثابرة
على العمل والنجاح بعيداً عن الصفات السلبية وغير الجيدة.
وتؤدي إلي بناء مجتمع متماسك وقوي يستطيع مواجهة التهديدات الخارجية.
6ـ الحفاظ على الهمم:
القدوة لها دورٌ كبير في إعلاء الهِمم وإصلاح المسلمين، فمَن كان عالي الهِمَّة اقتَدى به غيره، فأصلَح نفسه وأصلَح غيره.
يقول الله تعالى}وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74){[الفرقان].
 ففي هذه الآية يريد الله عز وجل من المسلمين التطلُّع للأفضل وإلى أعلى المقامات، وانظر لَم يقل سبحانه: واجعَلنا في المتقين، ولكنَّها تربية للمؤمنين على الهِمَّة العالية، وأن يكونوا مثل إبراهيم عليه السلام يطلب إمامةَ المتقين؛ يقول شيخ الإسلام: "أي: فاجْعَلنا أئمَّة لِمَن يَقتدي بنا ويأْتَمُّ، ولا تَجعلنا فتنة لمن يضلُّ بنا ويشقى".
ويقول السعدي في تفسير هذه الآية: "أي: أَوْصِلنا يا ربَّنا إلى هذه الدرجة العالية، درجة الصِّديقين والكُمَّل من عباد الله الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين، وأن يكونوا قدوة للمتَّقين في أقوالهم وأفعالهم، يُقتدى بأفعالهم، ويُطمَأَنُّ لأقوالهم، ويسير أهل الخير خلفهم، فيهدون ويهتدون؛ ولهذا لما كانت هِممهم ومطالبهم عالية، كان الجزاء من جنس العمل، فجازاهم بالمنازل العاليات، فقال} أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا(75){ [الفرقان].
الأزمة .. أزمة قدوات:
 إن واقع الناس اليوم يشكو القصور والانحراف رغم انتشار العلم، ما لم يقم بذلك العلم علماء وقادة عالمون مخلصون يصنعون من أنفسهم قدوات في مجتمعاتهم، يترجمون ذلك العلم إلى واقع عملي يفهمه الجميع، وهذا يُسهّل في إيصال المعاني الأخلاقية ويحدث التغيير المنشود إلى الأفضل.
إن أخطر ما نعانيه هو أزمة القدوات، وقل لي: من قدوتك أقل لك من أنت!!
إن غياب القدوة الصالحة من المجتمع عامل رئيس في انتشار المنكرات واستفحالها وإفشاء الجهل بين الناس، ومن هنا تكمن أهمية القدوة الصالحة،
فكلما ازدادت القدوات انتشر العلم واختفت المنكرات، لذلك فنحن نحتاج إلى قدوات يدعون الناس بأفعالهم لا بأقوالهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(3)} (الصَّف).
 
العنصر الثالث : القدوة الصالحة وأثرها علي الفرد والمجتمع :
المطلوب من المسلم أن يكون قدوة في نفسه، وأن يتخير لنفسه ومن تحت ولايته القدوات الحسنة ويجنبهم القدوات السيئة.
القدوة الحسنة: وهي التي تتخذ الاقتداء برسول الله (ﷺ( منهجًا وسلوكًا وتتأسى به (ﷺ( في تطبيقها العملي في واقع الحياة، وهذا النوع إنما يسلكه ويوفق إليه من كان يرجو الله واليوم والآخر، ودخل الإيمان قلبه، فعمل بالتنزيل وخشي من الجليل واستعد ليوم الرحيل رجاء الثواب الجزيل وخوف العقاب الشديد.
والقدوة الحسنة تنقسم إلى قسمين:
1ـ القدوة العامة:
وهي تعني الاقتداء برسول الله(ﷺ( في سائر أعماله وتصرفاته وذلك لأنه بُعث ليُقتدى به وليطاع بإذن الله فهو لا ينطق عن الهوى وإنما يوحى إليه، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)} ]النَّجم[.
والاقتداء به (ﷺ( والسير على نهجه هو النجاة الحقيقية للإنسان في الدنيا والآخرة
إن النبي (ﷺ( هو القدوة الحسنة والأسوة الكاملة للأمة في جميع مجالات الحياة، كما قال الله تعالى:}لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21)] {الأحزاب[
يقول ابن عاشور في تفسير هذه الآية: "في الآية دلالة على فَضْل الاقتداء بالنبي (ﷺ( وأنه الأسوة الحسنة لا مَحالة".
وقال ابن كثير: "هذه الآية أصل كبيرٌ في التأسِّي برسول الله (ﷺ( في أقواله وأفعاله وأحواله".
مجالات الاقتداء بالنبي (ﷺ(:
في عبادته وتقواه:  كان (ﷺ( أخشى الناس لله وأعبدهم، يقوم الليل حتى تتفطّر قدماه، شكراً لله تعالى ورغبةً فيما عنده.
في أخلاقه ومعاملاته : اتسم بأعلى درجات الصدق والأمانة، والتواضع، والحلم، والعفو عند المقدرة، وكان خُلقه القرآن.
في أهل بيته:  ضرب أروع الأمثلة في حسن العشرة والرفق بالأهل، حيث قال (ﷺ( : }خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ{
في قيادته ورحمته بالناس: كان (ﷺ( رحيماً بالمؤمنين، حريصاً على هدايتهم، يسعى في قضائه حوائجهم، ويعدل بين الجميع دون تفرقة.
في صبره وثباته: ضرب (ﷺ( القدوة في الصبر على الشدائد والابتلاءات،
والثبات على الحق ودعوة الخير مهما كانت التحديات.
في جميع مجالات الحياة:
إن التأسي بالنبي (ﷺ( لا يقتصر على اتباع سنته القولية والعملية فحسب، بل يمتد لتمثل أخلاقه ورحمته في التعامل اليومي مع الآخرين.
ولقد كان رسول الله (ﷺ(الأسوة الحسنة للناس جميعًا في جميع جوانب الحياة فإذا تفكر الإنسان في أحوال القادة والمصلحين والسياسيين فإذا رسول الله (ﷺ( يضرب بقيادته وصلاحه أروع الأمثلة في هجرته إلى المدينة وإقامته للدولة والمسجد وتأليفه بين الأوس والخزرج وفي سائر غزواته.
وإذا بحث الناس في ميادين التربية وجدوا رسول الله (ﷺ( يتربع على عروش المربين فإذا هو المربي الكريم والقائد والمعلم الذي ربى أصحابه الكرام على الفضيلة والقيم العليا النبيلة وصدق الشاعر:
أتطلبون من المختار معجزة              يكفيه شعب من الصحراء أحياه
ولقد اعتلى (ﷺ( أعلى مراتب الأخلاق والعلم؛ لأنه تربية رب العالمين ليكون السراج المنير والمثل الأعلى والقدوة العظمى للإنسانية جمعاء، أدبه ربه فأحسن تأديبه، فكان قرآنًا نابضًا حيًا متحركًا، وحينما سُئلت أمنا عائشة رضي الله عنها عن أخلاقه أجابت: "كان خلقه القرآن".
وكان (ﷺ( قدوة في كل شيء وكأنه متخصص فيه، فإذا نظرت إلى عبادته وجدته رجل عبادة، وإذا جاهد وحمل السلاح قلت: إنه رجل حرب وجهاد تكفي قيادته للجنود الغازية في سبيل الله، أنها تفوق عشرات القادة، كما أنه (ﷺ( كان حسن العشرة في تعامله مع أهل بيته، فكان الشَّخص الحنون والطيب واللطيف الذي يُدخل السرور والبهجة في قلوب أزواجه، كما كان يخصص لهم أوقاتاً ليقضي لهم حاجاتهم وينظر في أمورهم.
كان (ﷺ( يتصف بالرحمة مع الأطفال، فعندما كان حفيده الحسين يدخل عليه كان يلاعبه ويلاطفه ولا يعبس في وجهه، وحتى أثناء الصلاة عندما يسمع صراخ طفلٍ فإنه يقصِّر من القراءة في الآيات ولا يطيل فيها.
عندما يأتي وقت العبادات فإنه (ﷺ( كان يلتزم بها ولا يقصر في أيٍّ منها أو يستخف بها، فكان يجعل لكل شيءٍ وقتاً.
وكان (ﷺ( واعظًا ومرشدًا أمينًا يصدع بالحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان متحليًا بمحاسن الأخلاق وهي التي جعلت منه أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل، بل كان (ﷺ( مربيًا وهاديًا بسلوكه الشخصي قبل أن يكون بالكلام، لهذا أمر الله المؤمنين باتباع الرسول وطاعته، وجعل هذا من مؤشرات الحب في الله، قال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ (31)} ]آل عمران[ .
2ـ القدوة الخاصة:
نعني بالقدوة الخاصة، أي بما شرعه الله لأنها غير معصومة، كما هي في الصالحين والأتقياء من عباد الله وتتمثل في الاقتداء بالصحابة والعلماء والاقتداء بالوالدين وبالمعلم في المدرسة والجامعة والسبب في ذلك أنهم ليسوا معصومين من الخطأ فهم بشر يصيبون ويخطئون والمسلم يقتدي بهم عندما يصيبوا الحق، ويجتنب الاقتداء عند مجانبتهم للصواب حيث رغب الحق تبارك وتعالى أن يكون الإنسان قدوة في الخير وحذره أن يكون قدوة في الشر، قال (ﷺ( }من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غيـر أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء{  ]أخرجه مسلم في صحيحه[.
نأخذ من الحديث أن الوسطية التي هي إحدى مرتكزات العملية التربوية في الإسلام، إن الدين لا يلغي حسنات الآخرين لخطأ وقعوا فيه، ولا يُقرر أخطاء القدوة المخطئ وإن أصاب في بعض الجوانب، وإنما يربي الشخصية الإسلامية على قبول الحق من أي وعاء صدر ورفض الخطأ من أي مصدر كان.
فعن أبي هريرة قال: قال (ﷺ(: }الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها{.
والقدوة الحسنة  لها ميادين واسعة :
فهناك قدوات حسنة في بذل الخير والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هناك قدوات حسنة في حفظ القرآن الكريم والعمل به، وحفظ السنة الصحيحة والعمل بها.
هناك قدوات حسنة في الإصلاح بين الناس، والبذل والإنفاق في سبيل الله.
هناك قدوات حسنة في نفع الناس وتعليم الخير.
هناك قدوات حسنة  في إتقان العمل وطلب الرزق.
هناك قدوات حسنة في التربية والتعليم وحفظ الناشئة.
هناك قدوات حسنة في البر والعبادة وفعل الخير. وبالجملة فكلما اجتمع في الإنسان مقومات القدوة الحسنة كان حرياً أن يُقتدى به.
 
أثر القدوة الصالحة علي الفرد والمجتمع :
إنَّ قضيَّةَ التَّرْبِيَةِ الصحيحةِ قدْ شَغَلَتِ الآباءَ والأُمَّهَاتِ، والْمُربِّينَ والْمُربِّيَاتِ، كُلٌّ يريدُ أنْ يُخرِجَ جِيلاً قَويًّا، جِيلاً يكونُ شَامَةً فِي جَبِينِ التَّاريخِ، يُعيدُ للأمَّةِ أمجَادَهَا، ويُحْيِي لهَا ذِكْرَهَا، ومِنْ أَهَمِّ وسَائِلِ التربيةِ الصحيحةِ: التَّربِيَةُ بالقُدْوَةِ؛ فإنَّ للأفعَالِ تأثيرًا لا يَقِلُّ أَثَرُهُ عنِ الأقوالِ والتوجِيهاتِ، فاعْلَمُوا أيها المؤمنون... أنَّ أَبْنَائَنَا أمَانَةٌ فِي أعنَاقِنَا، يَجِبُ عليْنَا أنْ نَكُونَ لَهُمْ خيرَ قُدْوَةٍ، وأحْسَنَ مِثَالٍ، سَوَاءٌ مِنَّا الْوَالِدَانِ أوِ المُعَلِّمُ أو المعَلِّمَةُ أو غيرُهُمْ..
فكَمْ فِي بُيُوتِنَا مِنْ آبَاءٍ وأُمَّهَاتٍ لَمْ يكُونُوا يومًا قُدوةَ خَيرٍ لأوْلاَدِهِمْ، بلْ كَانُوا مِعْوَلَ هَدْمٍ لأبنَائِهِمْ بِسَببِ أفْعَالِهِمْ الَّتي تَأَسَّى بِهَا أولادُهُمْ فنَشَأُوا نَشْأَةً غيرَ صالِحَةٍ، مَا الظَّنُّ بأوْلادٍ أُبُوهُمْ مُقَصِّرٌ فِي الصلاةِ لا يَشْهَدُ الجُمُعَ وَلا الجَمَاعَاتِ، ما الظَّنُّ بِبَنَاتٍ لا يَرَيْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ إلاَّ القَنَواتِ الهَابِطَاتِ وأُمُّهُمْ فِي مُقَدِّمَتِهِمْ، مَا الظَّنُّ بِبَيْتٍ لا يَسْتَيْقِظُ أَحَدٌ فيهِ إلاَّ بعدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
"والنَّاسُ كمَا يقُولُ الإمَامُ الغَزَالِيُّ لاَ يَتَعَلَّمُونَ بآذَانِهِمْ بلْ بِعُيُونِهِمْ"، فالأمُّ التي تُلْقِي
 على ولدِهَا عَشَراتِ الدُّرُوسِ فِي الصِّدقِ ثمَّ تَكذِبُ علَى أبيهِ أَمَامَهُ مَرَّةً واحِدَةً ليسَتْ جَدِيرةً أنْ تُعَلِّمَ ابنَهَا شَيئاً، ولَيسَ هذا الوَلَدُ مُسْتَعِداً كَذلكَ أَنْ يَسْمَع مِنْ والِدِهِ شَيئًا؛ إِذْ لا يَأْمُرُه بالصدقِ بالقولِ مَرَّةً، إلاَّ وتَجِدُهُ يُعَلِّمُهُ الكَذبَ بالفِعْلِ مَرَّاتٍ ومَرَّاتٍ؛ فَلا يَطْرُقُ البَابَ أَحَدٌ إِلاَّ وتَجِدُ الأَبَ يقُولُ لِوَلَدِهِ قُلْ لَهُ: لَيسَ أبِي مَوْجُودًا.
وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الْفِتْيَانِ مِنَّا ♦♦♦ عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ.
وهذا نموذج عظيم استفاد من القدوة الصالحة فكان قدوة هو أيضا ..
هو القائد محمد الفاتح ، كانت أمه تعيش في قرية صغيرة على حدود القسطنطينية ، وقد علمت أن النبي(ﷺ( قد بشر بفتحها على يد المسلمين ، فكانت تخرج في صباح كل يوم على مشارف هذه القرية وفي يدها ابنها الصغير محمد وهي تقول له : يا محمد هذه القسطنطينية وقد بشر النبي (ﷺ( بفتحها على أيدي المسلمين أسأل الله العلي القدير أن يكون هذا الفتح على يديك …
وكانت أمه كل يوم بعد صلاة الفجر تأخذه إلى تخوم القسطنطينية تقول له أنت اسمك محمد على اسم النبي محمد (ﷺ(، وهذه أسوار القسطنطينية ستفتحها بإذن الله ذات يوم.
عنما توفي والده السلطان، فتحت الأم عليه الباب وجدته يبكي ، قالت له أبكي، اجلس هنا وابكي واترك أسوار القسطنطينية!!
ما لهذا خلقت يا بني، ما ولدتك لتبكي على الملك، أنا أنجبتك لتفتح القسطنطينية
وترفع راية الإسلام..
فمسح دموعه، وجلس على كرسي الخلافة ، ويبدأ محمد الفاتح يخطط كيف يدخل أسوار القسطنطينية، ودخلها وعمره 23 سنة، والسبب كان وراءه أم تعلمه أن أسوار القسطنطينية صعبة لكن ليست مستحيلة..
والقدوة الصالحة أعظم من المناهج الدراسية، والقوانين الجامعية ، أوالأبنية الفخمة لأن للأستاذ أثرًا كبيرًا على طلابه في علمه وأدبه وعمله ومهارته التدريسية وسائر أخلاقه وتصرفاته.
ولم تصل التربية الحديثة إلى أبدع من اتخاذ القدوة الصالحة وسيلة إلى بناء الجيل الطلابي، فالمعلم القدوة هو الذي يرتقي بالأمة إلى أسمى درجات الحضارة والمدنية، وبالمدرسين المخلصين تنهض الأمة من كبوتها وتنتصر على أعدائها.
إنَّ الوَاجِبَ علي الآباء والمربين مِنَ الْمُعَلِّمِينَ أَنْ يَكُونَوا في مُقَدِّمَةِ صُفُوفِ المقْتَدَى بِهِمْ؛ لأنَّ النَاشِئَةَ الصِّغَارِ مِن الذُّكُورِ والإنَاثِ لاَ يُدرِكُونَ مِنَ القُدْوَةِ إلاَّ ما يَرَوْنَ ويَسْمَعُونَ، فإِنْ رأَوْا أَوْ سَمِعُوا خَيرًا اقْتَدَوْا بِمَنْ خَالَطَهُمْ فَسَعِدُوا، وإِنْ رَأَوْا أوْ سَمِعُوا شَرًّا تأثَّروا بِذَلكَ الشَّرِّ، وكَثِيرًا مَا يسْتَمِرُّ مَعَهُمْ طُوَالَ حَيَاتِهِمْ.
إن للقدوة الصالحة آثارًا حميدة وطيبة على الفرد المسلم في حياته الدعوية يدركها ويلمسها في ذاته عندما يقتدي بصاحب صالح فيتأثر به ويظهر ذلك في سلوكه الحياتي وفكره ومنهجه، وهي سبب فعّال في مصير الإنسان وسعادته الدنيوية والأخروية، فإن الإنسان يتأثر بقدوته ويصطبغ بصبغته فكرًا ومعتقدًا وسلوكًا، وقد برهن على ذلك الوحي والعقل والواقع والتجربة والمشاهدة، قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ(29)}
 ]الفتح[ .
فالقدوة الصالحة سببٌ في دخول الإنسان ضمن الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون يوم القيامة، وهي ضمانٌ لاستمرار الصحبة، قال تعالى: {الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا المُتَّقِينَ (67) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68)} ]الزُّخرف[.
والقدوة الصالحة تجعل الفرد لا يعيش مشغولًا بذاته بل يمد يديه بالخير والعون ويعطي إلى المجتمع ما يزيده أمنًا وسلامًا؛ لأنه يعرف معنى الإنسانية ويدرك مسئوليات الأخوة في المجتمع، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ(2)} ]المائدة[
والقدوة الصالحة تعمل على توحيد المجتمع الإسلامي بحيث يعمل أعضاؤه في بوتقة واحدة متضامنة في مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا مطلب تربوي إحياء المنهج الإسلامي من خلال جعل المسلمين جسمًا واحدًا يشعر الجميع بشعور واحد، قال تعالى: {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ (71)} ]التوبة[.
والقدوة الصالحة تعمل على سرعة الامتثال والتطبيق لكل ما هو مفيد للمجتمع، بدون حرج ولا ممانعة من المقتدين، بل استجابة وتطبيق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ(24)} ]الأنفال[
هبني قدوة صالحة، أهبك جيلاً صالحًا، وهبني إمامًا يدعو إلى النار، أهبك أرتالاً من اللحوم البشرية كلها تستعد أن تُقذف في النار.
العنصر الرابع : مقومات القدوة الصالحة:
1ـ الإخلاص في القول والعمل:
إن الإخلاص في القول والعمل من أهم المقومات التي تساعد في وجود القدوة
 الصالحة، ولأن الإخلاص أمر به الحق تبارك وتعالى فقال في كتابه الكريم: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ(5)}]البيِّنة[،وقوله تعالى:{قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي(14)} ]الزُّمر[
لذلك ينبغي على القدوة أن يتزود بالإخلاص في عبادته وذكره لله وفي جهاده وسائر أعماله، وما يقوم به من وعظ وإرشاد وتوجيه ونصح وما يقدمه من خدمات لأمته ومجتمعـه وبقـدر ما يملك من تطبيق وعمل صادق مخلص يكون نجاحه في عمله وثقة الناس به تزداد لأنه يعمل بما يقول مخافة الله بعيدًا عن أغراض النفس ونظر الناس، يبتغي وجه الله وتحقيق مرضاته، قال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ(2)} ]الزُّمر[
2ـ التقوى:
إن التقوى هي الأصل الكبير الذي تقوم عليه شرائع الدين وتوجيهاته وآدابه وأخلاقه، فالقلب الذي يستشعر مخافة الله ويستسلم لإرادته ويتبع المنهج الذي اختاره الله ويتوكل عليه وحده هو المؤهل للقيادة وأن يكون قدوة للناس.
والتقوى تجعل القلـب طاهرًا لا يعمل عملًا إلا وهو مراعٍِ لله طالبًا رضاه، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا(5)} ]الطَّلاق[.
ولأهمية التقوى كان (ﷺ( يسأل ربه التقوى، عن ابن مسعود أن النبي (ﷺ( كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» أخرجه الترمذي وقال
 حسن صحيح[.
3ـ الاستقامة على الإيمان:
يوجد الكثير من الصالحين في مجتمعاتنا، ولكن القليل من يخلص العمل ويستقيم على الإيمان ويسير في موكب الرحمن، ولا خير ولا صلاح في شخص حاد عن الإيمان ولم يستقم على دين الله؛ لأنه سرعان ما ينعطف أمام التحديات وأمام الإغراءات، لذلك ينبغي الاستقامة على أمر الدين وخاصة القدوة ومعلم الناس الخير، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)} ]فصِّلت[
فالقدوة مشغول في مجاهدة نفسه واستقامتها وسياستها، وهذا المطلوب الأعلى والنهج الأسمى في بناء القدوات المستقيمة في حياتها وفق معتقداتهم الإيمانية
فعن سفيان الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: «قل آمنت بالله ثم استقم».] أخرجه مسلم وأحمد[
فلا يكون قدوة حسنة من يخالف عمله سنة النبي (ﷺ(، ولا يكون قدوة حسنة من يبتدع في دين الله ما ليس منه، ولا يكون قدوة حسنة من يجاهر بالمعاصي وعمل السوء.
4ـ  موافقة العمل القول:
القول والعمل قرينان، ولا يكون قدوة حسنة أبداً من تخالف أفعاله أقواله، وأعماله كلامه، قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3){ [الصف].
يجب أن نعلم يقينا أن الصدق ليس لفظة تخرج من اللسان فحسب، ولكنه صدق في اللهجة واستقامة في المسلك ، الباطن فيه كالظاهر، والقول فيه صنو العمل.
هذا جانب، وجانب آخر أن الناس والنفوس مجبولة على عدم الانتفاع بمن علمت أنه يقول ولا يعمل، أو يعلم ثم لا يعمل ولهذا قال سيدنا شعيب عليه السلام: { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ  إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) } [هود].
يقول أبو الدرداء رضي الله عنه " لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا ".
وقد جاء في الصحيحين وغيرهما عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي، (ﷺ( قال: { يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه- يعني أمعاءه- في النار فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال:  كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه} ]رواه  البخاري[ .
وقد قيل: وقد قيل:
وغيرُ تقي يأمرُ الناسَ بالتقَى        طبيبٌ يداوي الناسَ وهو عليلُ
وقال الشاعر أيضا :
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتِ بمِثْلِهِ        عارٌ عليكَ إذا فَعَلْتَ عَظيمُ
وقد حدث مالك عن ربيعة قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال: وصدق من ذا الذي ليس فيه شيء ".
و قال الحسن البصري لمطرف بن عبد الله بن الشَخير: "يا مطرف عظ أصحابك
فقال مطرف: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل.
فقال الحسن: يرحمك الله وأينا يفعل ما يقول؟؟
لود الشيطان أنه ظفر بهذه منكم فلمِ يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر.
وقال الحسن أيضًا: أيها الناس إني أعظكم ولست بخيركم ولا أصلحكم وإني لكثير
الإِسراف على نفسي غير محكم لها ولا حاملها على الواجب في طاعة ربها، ولو كان المؤمِن لا يعظ أخاه إلا بعد إحكام أمر نفسه لعُدم الواعظون، وقلَّ المذكرون ولما وُجِد من يدعو إلى الله جل ثناؤه ويرغَب في طاعته وينهى عن معصيته، ولكن في اجتماع أهل البصائر ومذاكرة المؤمنين بعضهم بعضًا حياة لقلوب المتقين، وإذكار من الغفلة، وأمن من النسيان، فألزموا مجالس الذكر، فرب كلمة مسموعةٌ ومحتقرٍ نافعٌ".
ومن طرائف الصالحين ...
يحكي أن الإمام السري السقطي رضي الله عنه قال لتلميذه أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه : يا جنيد اذهب إلى المسجد وعظ الناس فقال الجنيد: يا أستاذي إنني أستطيع الوعظ ولكني أخشى ثلاث آيات في كتاب الله تعالى
فقال له الأستاذ : وما هي ??
فقال له التلميذ : أولها قول الله تعالى :{ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)} [البقرة].
واما الآية الثانية فقول الله تعالى { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ... (88) } [هود].
واما الآية الثالثة فقول الله تعالى }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2)
كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3){ [الصف].
وسكت الشيخ وانصرف التلميذ إلى مضجعه ونام فرأى في المنام الرسول عليه الصلاة والسلام, فقال له: يا جنيد لم لا تعظ الناس?
اذهب إلى المسجد وعظ الناس , فقام الجنيد إلى أستاذه مسرورا وكان هنالك اتصال القلوب بين هذا وذاك, فقال له أستاذه: عجبت لك يا جنيد ألا تعظ الناس إلا بإذن من رسول (ﷺ( الله فذهب الجنيد إلى المسجد وأذيع في الناس أنه سيعظ اليوم، واجتمع الناس ودخل من بينهم رجل مشرك ارتدى ثوب العلماء ودخل المسجد ليُحرج الجنيد في سؤاله ، فقال له : يا جنيد أريد أن تشرح لي قول رسول الله (ﷺ(" اتق فراسة المؤمن فانه ينظر في نور الله "
واستمع الناس كيف يجيب الجنيد على هذا السؤال ولم يكن أحد يعلم أن القائل مشرك ولكن الله تعالى علم الجنيد من لدنه علما, فأجاب الجنيد ردا على سؤال السائل يا هذا شرح الحديث أنك كافر وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . فأسلم المشرك
فلنحذر من مخالفة القول للفعل ... ولنسمع إلي الإمام ابن القيم رحمه في فوائده :
"علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم إلى النار بأفعالهم ، فكلما قالت أقوالهم للناس هلموا!!  قالت أفعالهم لا تسمعوا منهم ، فلو كان ما دعوا إليه حقاً كانوا أول المستجيب له أي ؟ هم، فهم في الصورة أدلاّء وفي الحقيقة قطاع طرق "
5ـ علو الهمة:
 فعلو الهمة عامل مساعد في مقومات القدوة الحسنة، والقدوة الحسنة نوع من التميز، ولهذا ينبغي لصاحبها أن يكون صاحب همة عالية وعزيمة متوقدة.
فالقدوة الحسنة نموذج إنساني حيٌّ، يعيش ممثِّلاً ومُطبِّقًا للمنهج الرباني الذي جاء به القرآن الكريم في علو الهمة والارتقاء إلي معالي الأمور ، رأينا أن الله تعالي امتدح سيدنا إبراهيم عليه السلام بالقدوة الحسنة لما ارتقي إلي الهمة العالية ، وذلك لما قام بجميع الأوامر وترَك جميع النواهي، وبلَّغ الرسالة على التمام والكمال، ما يستحق بهذا أن يكون للناس إمامًا يُقتدى به في جميع أحواله وأفعاله وأقواله".
قال تعالي}وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124){ [البقرة]
وقال الجزائري: "إمامًا: قدوة صالحة يُقتدى به في الخير والكمال".
وقال تعالي } قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا
بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4){ ]الممتحنة[.
فالحريص الموفَّق الذي يروم المعالي، لا نراه إلاَّ مع أصحاب الهِمم العالية، من القدوات الربَّانية الصالحة، فسيكون منهم أو قريبًا منهم.
6ـ  التحلي بالأخلاق الحميدة:
وخاصة أمهات الأخلاق كالحلم والصبر والصدق، والشجاعة والوفاء، والحكمة والعدل، وغيرها.
أيها المسلمون ....كيف يكون قدوة حسنة ذلك الأب الذي يدخن بين أبنائه؟!
وكيف يكون قدوة حسنة ذلك الأب الذي يكذب أو يشتم أو ينظر إلى الحرام أمام أبنائه؟!
وكيف يكون قدوة حسنة ذلك المعلم الذي يقصر في أداء واجباته مع تلاميذه؟!
إذن المطلوب من المسلم: أن يتصف بفعل المعروف وترك المنكر من الأقوال والأفعال في نفسه ابتداءً، ومن ثَم فإنه سيظهر بمظهر القدوة الحسنة لمن هم دونه سنّاً أو وظيفة.
انظروا !! كيف حرص النبي (ﷺ( علَى غرس هذه القيم الأخلاقية العالية ، حتَّى نشَأَ جِيلُ الصَّحَابَةِ كالنُّجُومِ يُقْتَدَى بِهَا في غَيَاهِبِ الصَّحَرَاءِ، فاقْتَدَتْ بِهِمُ الدُّنيَا كُلُّهَا؛ فانْظُرْ إِليهِ (ﷺ( وهوَ يَلْبَسُ قَمِيصَ الرِّفْقِ لِيُعَلِّمَ الصحَابَةَ، وكَيفَ كانَ رَدُّ فِعْلِهِمْ.
فَقدْ جَاءَ عِندَ الإمامِ مُسلمٍ مِن حَديثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ (ﷺ(، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ (ﷺ(، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ".
دَخَلَ أعْرَابيُّ مَسجِدَ النَّبِيِّ (ﷺ( ورَأَى حُسْنَ خُلُقِهِ فقَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا".
فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ (ﷺ( قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: "لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا" يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ.
فمَا لَبِثَ أنْ قَامَ الأعرابيُّ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ (ﷺ(: مَهْ
مَهْ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ (ﷺ( : "لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ" فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ".
كانَ (ﷺ( يمشِي يُسَلِّمُ علَى الصِّبْيَانِ، ويسْتَمِعُ للإِمَاءِ؛ ففي الصحيحينِ مِنْ حديثِ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، أنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ (ﷺ( يَفْعَلُهُ.
7ـ الاعتدال والتوسط في أمور الحياة:
ينهج القدوة منهج التوسط في جميع أمـور الحيـاة مع مراعـاة الآداب الشرعية، ولا سيما في اللباس والمظهر والمأكل والاقتصاد وعلاقاته الاجتماعية مع الناس، والتوسط يعني الاعتدال والاستقامة، وبالتالي يجعل الناس ينظرون إلى هذه الشخصية المتعادلة المستقيمة نظرة إعجاب فتدخل في قلوبهم لأن مظهر القدوة وتعامله مع الآخرين ينسجم مع المنهج الذي يدعو إليه،
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (134)} ]البقرة[
العنصر الخامس : القدوة السيئة وخطرها:
 وهي على عكس ذلك تمامًا، فهي لا تتأسى برسول الله (ﷺ( ولا تتشرف بحمل الإسلام، بل إنها تعتز بانتسابها لغيره، وتسير في المسالك المذمومة واتباع أهل السوء والاقتداء من غير حجة أوبرهان كقول المشركين حين دعتهم الرسل للتأسي بهم، قال تعالى:{إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ(23)} ]الزُّخرف[
 فقولهم هذا عين التقليد والمحاكاة يكون ضارًا ومفسدًا وطريقًا لوصول المقلدين إلى دركات النقص التي انحدرت إليها أسوتهم السيئة.
ولهذا رد عليهم القرآن بقوله:{قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ(24)}[الزخرف].
وفي آية أخرى: قال تعالي{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)}[المائدة].
فالقدوة السيئة تمنع من اتباع الحق ،لما جاء سيف الله خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله (ﷺ( ، في السنة الثامنة للهجرة النبوية، وحين جاءه مسلمًا، ثم مد يده ليبايع النبي (ﷺ(، قال رسول الله (ﷺ( لخالد رضي الله عنه معاتبًا له على إسلامه المتأخر: "أين كان عقلك يا خالد؟! فلم ترَ نور النبوة بين
 ظهرانيكم منذ عشرين سنة؟!
 فقال خالد: "كان أمامنا رجال كنا نرى أحلامهم كالجبال".
خطر القدوة السيئة:
ولقد عرف دعاةُ الشر والفساد ما للقدوة الصالحة من أثر محمود بين الناس، لذلك أخذوا يصنعون أمثلة ونماذج بشرية على طريقتهم ذات مفاهيم وعقائد باطلة وأعمال ضالة فاسدة ومفسدة وأحاطوها بالأصباغ والألوان الخداعة وسلطوا عليها الأضواء الإعلامية لإثارة الإعجاب بها في نفوس الجماهير حتى تكون أسوتهم التي تقتدون بها.
ومن تكن الذئاب له دليلاً *** تضاحكه قبل الكريهة والقتل
ومن هذه الأمثلة البشرية المصطنعة شخصيات ذات مذاهب هدّامة وآراء باطلة، أحاطها المفسدون بعبارات التمجيد والإكبار ليتخذها الناس أسوة لهم يقتدون بها في آرائها وأفكارها، وخير دليـل على ذلك ما يسمى بنجوم الفن والأناقة والغناء الماجن من رجال ونساء، ليكونوا أسوة للناس يقتدون بهم في تفاهاتهم وسلوكهم والمنحرف حتى أمست هذه الأمثلة الساقطة هي القدوة التي تقلدها الأجيال.
حتي صدق فينا قول النبي (ﷺ(، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ (ﷺ( "لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ لاَتّبَعْتُمُوهُمْ" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ آلْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ؟ قَالَ "فَمَنْ؟" ]البخاري ومسلم[
ومن أمثلة القدوة السيئة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، فرعون عليه من الله ما يستحق، ولهذا قال عنه رب العزة والجلال: }فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(54){ ] الزخرف[
أَيْ: اِسْتَخَفَّ عُقُولهمْ فَدَعَاهُمْ إِلَى الضَّلَالَة فَاسْتَجَابُوا لَهُ، فكان قدوتهم السيئة وطريقهم إلى نار جهنم، والعياذ بالله.
فكانت نهايتهم أليمة في الدنيا والآخرة فقال تعالي } فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99){ ]هود[.
سيأتون يوم القيامة، وكل أمة تلعن أختها، أخيارها المزعومة قبل فجارها، ولن ينفعهم أن يقولوا: }إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ(67){.]الأحزاب[
وواجبنا نحو أبنائنا ومن لنا ولاية عليهم أن نحافظ عليهم ونحميهم من القدوات السيئة امتثالا لأمر الله تعالي ، قال الله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6){ [التحريم]
وقد حذر  النبي (ﷺ( من التقليد الأعمي ،فعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ﷺ(: }لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا{
]أخرجه الترمذي[.
العنصر السادس: مصادر القدوة الصالحة:
تكمن مصادر القدوة الصالحة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأقوال السلف رضوان الله عليهم أجمعين، وهي كالتالي:
أولًا، القرآن الكريم:
يعتمد القرآن الكريم أسلوب التربية بالقدوة حينما أمر الله سبحانه نبيه بالاقتداء بمن سبقه من الأنبياء والمرسلين، فقال تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ(90)} ]الأنعام[.
 بمعنى أيها الرسول(ﷺ( اتبع ملة هؤلاء الأنبياء الأخيار، وقد امتثل فاهتدى بهدي الرسل من قبله وجمع كل كمال فيهم فاجتمعت لديه فضائل وخصائص فاق بها جميع العالمين.
وأكد على أسلوب التربية بالقدوة فطلب من المؤمنين اتخاذ الرسول (ﷺ( القدوة والأسوة الحسنة وطالب المؤمنين بطاعته فيما أمر ونهى طاعة مطلقة، قال تعالى :{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (21)} ]الأحزاب[ .
لقد اعتبر ابن كثير هذه الآية أصلًا كبيرًا في التأسي برسول الله (ﷺ(  في أقواله وأفعاله وسائر أحواله، ولهذا أمر الحق تبارك وتعالى الناس جميعًا بالاقتداء بالنبي الكريم في غزوة الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه، سواء وهو مكروب ومحروب فهو يصبر صبر المستعلي ويثبت ثبات المستولي.
وحذر القرآن الكريم من يحيد عن القدوة الصالحة ويتبع الظالمين، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)} ]الفرقان[.
يقول الإمام ابن كثير: «إن الله يخبر عن ندم الظالم الذي فارق طريق رسول الله (ﷺ( والذي جاء به من الحق المبين وسلك طريق غير سبيل المؤمنين، فإنه يوم القيامة يندم حيث لا ينفعه الندم ويعض على يديه حسرة وأسفًا».
ثانيًا، السنة النبوية المطهرة:
لقد قررت السنة النبوية مبدأ القدوة الصالحة في التربية من خلال الدعوة إلى الاقتداء بكل من دعا الناس إلى الخير والصلاح والهدى الذي جاء به النبي الكريم (ﷺ( ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الآتي:
 أوصى (ﷺ( باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، حيث ،جاء عن أبي نجيح العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله (ﷺ( موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: }أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبدٌ، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عَضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة{ .
وما رواه البخاري دليل واضح في طاعته (ﷺ( والاقتداء به، عن أبي هريرة أن رسول الله (ﷺ( قال: }كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى{، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى{.
وأوصى (ﷺ( بالاقتداء بأبي بكر وعمر بن الخطاب بنص صريح فقال «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)، كما أمر (ﷺ( بالاقتداء به في الصلاة فقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وأمر المؤمنين بالاقتداء به في تأدية مناسك الحج فقال (ﷺ(: «خذوا عني مناسككم».
ثالثًا، أقوال السلف:
ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه محامد الصحابة وفضائلهم ووجوب الاقتداء بأفعالهم الحميدة وأخلاقهم النبيلة فقال: «من كان متأسيًا فليتأسّ بأصحاب رسول الله فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا وأحسنها حالًا، اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم».
وذكر الشاطبي في الاعتصام عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم».
الصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم، وهم أولياء الله تعالى وأصفياؤه وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، وهذا مذهب أهل السنة فلا يجوز لأحد أن يبغض أحدًا منهم حيث جاء عن الإمام مالك أنه قال: «من كان يبغض أحدًا من أصحاب محمد أو كان في قلبه عليهم غلّ فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(10)} ]الحشر[.
الخاتمة ....
إن القدوة الصالحة تعمل على تهذيب الأفراد وإصلاحهم كما تجعل من المجتمع وحدة مترابطة عقائديًا وشعوريًا واجتماعيًا وتعمق مفهوم الأخوة بين المؤمنين، وتجعل منهم أمة متضامنة ذات قوة وتأثير وفاعلية إلى الأفضل في حياة المجتمع، والقدوة الحسن رمزٌ لوحدة الأمة وتماسكها وخاصة أمام التحديات والصعاب فتقف شامخة وهي مطمئنة لوعد الله لها بالنصر والتمكين والاستخلاف ، قال تعالى:{وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ(55)} ]النور[.
تعمل القدوة الصالحة على سرعة الامتثال والتطبيق لكل ما هو مفيد للمجتمع، بدون حرج ولا ممانعة من المقتدين، بل استجابة وتطبيق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ(24)} ]الأنفال[
فاللهم إنا نسألك أن تجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم أصلح شبابنا ونسائنا وذرياتنا...وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصل اللهم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
رابط pdf
رابط doc