24 أغسطس 2026

غسيل الملائكة


 
 
 

ملخص القصة:
حنظلة بن أبي عامر الأنصاري (رضي الله عنه) هو صحابي جليل لُقّب بـ "غسيل الملائكة" 
تزوج ليلة غزوة أحد، ولما سمع نداء الحرب (الجهاد) خرج إلى المعركة فوراً وهو جنب ولم يدركه الوقت ليغتسل، فاستشهد في المعركة، فأخبر النبي (ﷺ) أن الملائكة غسلته بماء المزن بين السماء والأرض.
من هو غسيل الملائكة؟؟
هو حنظلة بن أبي عامر الأنصاري الأوسي، من بني عمرو بن عوف من أهل المدينة، شابٌّ حديث العهد بالزواج، عظيم الإيمان، ضرب أروع الأمثلة في الإخلاص والتجرد لله.
أما أبوه فهو أبو عامر الراهب، وكان من كبار زهاد الجاهلية، قد ترهّب ولبس المسوح، وكان قومه يرجون أن يكون له شأن عظيم، فلما بعث الله نبيه ﷺ حسده وكفر به، وحارب الإسلام، حتى سماه النبي (ﷺ): «أبو عامر الفاسق» بعد أن كان يُعرف بالراهب.
فيا لعظمة الابن الذي خرج مؤمنًا، ويا لخسارة الأب الذي خرج كافرًا.
إسلامه وشبابه:
أسلم حنظلة رضي الله عنه مبكرًا، وكان شابًا تقيًا نقيّ السريرة، قوي الإيمان، محبًا للجهاد، متعلّق القلب بالله ورسوله (ﷺ).
لم يكن إسلامه مجرد اسم، بل كان يقينًا حيًا، ظهر صدقه في أعظم اختبار مرّ به.
ليلة الزفاف… والنداء الأعظم:
تزوج حنظلة من السيدة جميلة بنت عبد الله بن أبي سلول في ليلة غزوة أحد (سنة 3 للهجرة).
سمع حنظلة حي على الجهاد مع أذان الفجر أو أثناء الليل، فترك فراش الزوجية مسرعاً لتلبية نداء رسول الله ﷺ دون أن يغتسل من الجنابة.
الخروج إلى أحد:
حيث جمع المشركون قريشًا وحلفاءهم للثأر من المسلمين.
كان حنظلة جنبًا، لم يغتسل بعد، والشرع يبيح له أن يؤخر الغسل حتى بعد القتال إن اضطر، لكن النفس البشرية قد تترد ، أما قلب حنظلة فلم يتردد لحظة.
لبس سلاحه، وخرج مسرعًا، لم يقل: أغتسل ثم ألحق، بل قال بقلبه: الله أولًا… ورسوله أولًا… والجهاد أولًا ، خرج كما هو، يطلب الشهادة.
في ساحة أُحد:
قاتل حنظلة قتال الأبطال، حتى شق الصفوف، ووصل إلى أبي سفيان بن حرب، وكاد أن يقتله، لولا أن شدّ عليه شدّاد بن الأسود الليثي، فطعنه فاستُشهد رضي الله عنه.
سقط حنظلة شهيدًا، لكنه لم يسقط في ميزان الله… بل ارتفع.
المشهد الذي أبكى القلوب:
شارك في غزوة أحد ببطولة شجاعة حتى كاد أن يقتل أبا سفيان بن حرب (قائد المشركين يومها).
تنبه له المشرك شداد بن الأسود الليثي فعلاه بالسيف فاستشهد حنظلة رضي الله عنه.
شهادة النبي (ﷺ) ورؤية الملائكة:
بعد انتهاء المعركة، قال رسول الله ﷺ لأصحابه قولًا عجيبًا: «رأيتُ الملائكة تغسل حنظلة بين السماء والأرض بماءٍ من سحاب، في صحافٍ من فضة»
ثم نظر الصحابة إلى جسده، فإذا رأسه يقطر ماءً، فتعجبوا، وسألوا زوجته جميلة، فقالت: «خرج وهو جنب، لما سمع الهائعة (نداء الحرب)»
عندها قال النبي (ﷺ): «لذلك غسلته الملائكة» ومنذ ذلك اليوم، لُقّب حنظلة بـ: غسيل الملائكة.
الدروس المستفادة من القصة:
أن الإخلاص يرفع صاحبه إلى مراتب لا تُنال بكثرة العمل.
أن الله لا ينظر إلى الشكل، بل إلى الصدق والنية.
أن الطهارة الحقيقية هي طهارة القلب، ثم يأتي شرف الطهارة الظاهرة.
أن الجنة تُفتح أحيانًا بخطوة واحدة صادقة.
ختامًا:
حنظلة لم يعش طويلًا، لكن سيرته عاشت قرونًا.
شابٌ ترك فراشه، واختار نداء السماء، فغسلته الملائكة، وشهد له النبي (ﷺ).
رضي الله عن حنظلة بن أبي عامر، وجمعنا به في جنات النعيم 🌿

 



معاد ومعوذ رضي الله عنهما

 


 
في غزوة بدر الكبرى، سطر الغلامان الشابان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ بن عفراء وقيل معاذ ومعوذ ابنا عفراء (عمرهما 11، 12 سنة)  
ملحمة في حب النبي ((، إذ سألا عبد الرحمن بن عوف ليدلهما على أبي جهل للانتقام منه لأنه كان يسب النبي، فهجما عليه معاً وأنزلاه عن فرسه وقتلاه شجاعة.
التفاصيل:
يحكي الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه  قال :} بينما أنا في الصف يوم بدر إذ نضرت عن يميني وعن شمالي فإذا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت لو أن غيرهما كان بجواري ليحميني فغمزني احدهما فقال يا عم أتعرف أبا جهل قلت نعم وما حاجتك إليه قال سمعت انه يسب رسول الله والذي نفسي بيده لأن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا.
ثم غمزني الأخر فقال لي مثل مقالة صاحبه ثم لم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت هذا صاحبكما فانقضا عليه كالصقرين فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله  ((فاخبراه فقال أيكما قتله قال كل منهما أنا قتلته قال هل مسحتم سيفيكما قالا لا فنظر في السيفين فقال  (ﷺ(: كلاكما قتله{  ]البخاري، ومسلم[.
 
سبحان الله فرعون هذه الأمة وطاغية زمانه يكون مصرعه على يدي غلامين شابين من شباب الصحابة الكرام !!
لماذا؟ حتى تكون الصورة واضحة جلية يتبين من خلالها إلى أي حد وصل مستوى أولئك الشباب الأفذاذ.
 
الدروس والعبر المستفادة
1ـ الغيرة على الدين:
محبة النبي () والغيرة عليه والشوق للانتقام ممن يسبّه، والحرص على نصرة الحق كانت الدافع الوحيد لخروج الغلامين وتضحيتها.
2ـ الحب العملي:
لم يكن حبهما مجرد عاطفة، بل تُرجم إلى شجاعة وإقدام في أرض المعركة.
3ـ البطولة بلا سن:
اليقين والشجاعة لا تقاس بالسن، فالصغار قد يملكون قلوباً أجرأ من الكبار، أثبت الغلامان أن صغر السن ليس عذرًا للتخاذل أو القعود عن نصرة الحق.
4ـ البحث عن العظائم:
لم يلتفتا الغلامان لجنود قريش العاديين، بل استهدفا رأس الكفر وقائد الجيش مباشرة.
5ـ صدق الانتماء:
الارتباط الوثيق بالله ورسوله مقدماً على كل اعتبار.
6ـ نهاية الفرعون:
أهان الله أبا جهل وجعل نهايته المخزية على يد غلامين صغيرين من الأنصار كان يستصغرهما.
7ـ قوة الإيمان:
النصر لا يعتمد على ضخامة الجسد أو الحراسة، بل على صدق النية والتوكل على الله.

سيدنا محمد نبي الرحمة (ﷺ)

 


الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم .. الذي وسعت رحمته كل شيء فقال تعالي }وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157){ ]الأعراف[ 
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو علي كل شيء قدير.. جلّ عن الشبيه والنظير، والندّ والظهير، أرسل نبيه رحمة للعالمين فهداهم من ضلالة وعلمهم من جهالة وأخرجهم من ظلمات الجهل إلي نور العلم والإيمان فقال تعالي }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107){ ]الأنبياء[.
وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله (ﷺ( شملت رحمته البر والفاجر والقريب والبعيد والعدو والصديق فكان رحمة مهداه من الله عز وجل فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ( }يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ { ]المستدرك علي الصحيحين[
فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلي يوم الدين.
أما بعد : فيا أيها المؤمنون
أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين؛ إذ يقول سبحانه: }وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ(131) { ] النساء[.
إن الحديث عن رسول الله (ﷺ( له حلاوة تتذوقها القلوب المؤمنة وتهفو إليها الأرواح الطاهرة، وهو في ذاته قربة كبرى يتقرب بها إلى الله كل مريد رضوانه ومثوبته جل وعلا. 
ورحاب النبي (ﷺ( واسعة ، فهو بستان العارفين ، ومتنزه المحبين ، يحنون إلى سيرته وشمائله وأخلاقه ، فيقطفون منها على قدر جهادهم في حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إن مثلي ومثلك يا رسول الله كمثل أعرابي ضل الطريق في الصحراء، فلما طلع عليه القمر اهتدى بنوره، فقال: ماذا أقول لك أيها القمر؟
أأقول رفعك الله؟ لقد رفعك الله.
أأقول لك نوَّرك الله؟ لقد نورك الله.
أأقول جملك الله؟ لقد جملك الله.
وانا ماذا اقول لك يا سيدي يا رسول الله؟
أأقول رفعك الله؟ لقد رفعك (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك)
أأقول نورك الله؟ لقد نورك ( قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ )
أأقول جملك الله؟ لقد جملك } يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا { ] الأحزاب[ .
عباد الله ... إن أصلح القلوب أنورُها بالإيمان، وأعظم النعم وأجلّها على هذه البشرية هي بعثة النبي المجتبى والرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله ربّه رحمة للعالمين، وسراجاً للمهتدين، ونوراً للمسترشدين.
لقد كانت الدنيا قبل بعثته (ﷺ( تغرق في ظلمات الجهل والظلم، وتطحنها الحروب وتسودها القسوة، فجاء (ﷺ( بالرحمة المهداة، والنعمة المسداة، ليرسخ في الأرض معاني الشفقة والرفق والإحسان، حتى وسعت رحمته الإنسان والحيوان، والصغير والكبير، والصديق والعدو.
إنها الرحمة التي تفيض حتى تكاد تقتل صاحبَها أسًى لما يرى من انصراف الخلق عن طريق الجنة إلى طريق النار، حتى يصف القرآن حال النبي (ﷺ( في قوله تعالى:} فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) { ]الكهف[
وفي رحمته (ﷺ( بالمؤمنين يقول تعالى:} فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159){  ]آل عمران[
وقال تعالى: }لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128){ ]التوبة[.
فكيف تجلّت رحمة النبي (ﷺ( في أفعاله وأقواله؟
وكيف نقتدي بهذه الرحمة المهداة في واقعنا وأخلاقنا اليوم؟
 وهذا هو موضوعنا }نبي الرحمة (ﷺ{ وهذا الموضوع يتناول هذه العناصر الرئيسية التالية :
1ـ مظاهر رحمة النبي (ﷺ(.
2ـ أثر رحمة النبي (ﷺ(
3ـ حاجتنا إلي التخلق بخلق الرحمة . 
4ـ  الأسباب المعينة على التخلق بخلق الرحمة.
العنصر الأول : مظاهر رحمة النبي (ﷺ(:
تتجلى رحمة النبي (ﷺ( في كافة أبعاد حياته ومعاملاته، حيث كانت الرحمة خلقاً أصيلاً وسلوكاً عملياً يشمل البشرية جمعاء وحتى الكائنات الحية، وشملت القاصي والداني ،والقريب والبعيد ،والصديق والعدو، والبر والفاجر...
وتلكم بعض مظاهر رحمة النبي (ﷺ(.. 
1 ـ رحمة النبي (ﷺ( بالعامة :
روي ابن مسعود  رضي الله عنه عن النبي (ﷺ( أنه قال:}لن تؤمنوا حتى تراحموا)، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: إنه ليس برحمة أحدِكم صاحبه، ولكنها رحمة العامَّة{ ؛ ]رواه الطبراني ورجاله ثقات[
الكل يرحم بعضهم بعضا، الرئيس يرحم المرؤسين ، والأب يرحم الابن ، والزوج يرحم الزوجة ، والغني يرحم الفقير،  والقوي يرحم الضعيف ، والجار يرحم جاره ، الكل يتراحم فيما بينهم حتي يصدق فينا قول النبي (ﷺ(عن النعمان ابن بشير رضي الله عنهما :عن النبي (ﷺ( أنه قال:}مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى { ] البخاري ومسلم[
2ـ رحمة النبي (ﷺ( بالضعفاء :
لقد أقر الإسلام  حقوقا للضعفاء والفقراء والمساكين ، واهتمَّ النبيُّ (ﷺ(  بالضعفاءِ الذين لا مالَ لهم ولا عشيرةَ، فكان يقبلُ من محسنِهم ويتجاوزُ عن مسيئِهم، ويسعى في حوائِجهم، ويرفعُ عنهم الضرَّ والأذى ولو بكلمةٍ تُغضِبُهم، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ فَأَتَى النَّبِيَّ (ﷺ( فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ }لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ قَالُوا لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي { [ رواه مسلم] 
وكانَ النبيُّ (ﷺ( يُعلِّمُ أصحابَهُ أنَّ المالَ والوجاهةَ الاجتماعيةَ والمناصبَ المرموقةَ  لا تُضفي على الإنسانِ فضلًا لا يستحقُّه، وأنْ الفقرَ وقلةَ المالِ والجاهِ لا يسلبُ الإنسانَ شرفًا يستحقُّه.
روي البخاري من حديث سهل بن سعد قال : مرَّ رجل علينا ونحن جلوس عند النبي (ﷺ( ، فقال لرجل عندنا : }ماذا تقول في هذا الرجل ؟!
قال : يا رسول الله هذا من أشراف أهل المدينة .. هذا من أحسنهم حسباً ونسباً .. هذا من أكثرهم مالا،  هذا حري إن خطب يخطب ،وإن تكلم يُسمع ،وإن شفع يُشفع ، فسكت النبي (ﷺ(.
ثم مرَّ رجل آخر فقال للرجل نفسه : فماذا تقول لهذا الرجل ؟ قال يا رسول الله : هذا من فقراء الأنصار  هذا لا حسب ولا نسب .. هذا حري .. إن خطب ما يُخطب ، وإن تكلم ما يُسمع .. وإن شفع ما يُشفع .. فقال الصادق المصدوق :
هذا يعني الفقير اللي لا حسب ولا نسب هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا.. هذا الذي في نظرك الذي إذا تكلم ما يسمع ، وإذا شفع ما يشفع ، وإذا خطب ما يخطب ( هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا {.]رواه البخاري [
وقالَ النبيُّ (ﷺ(: }ألا أخبرُكم بأهلِ الجنةِ؟ كلُّ ضعيفٍ متضعِّفٍ، لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّهُ. ألا أخبرُكم بأهلِ النارِ؟ كلُّ عُتُلٍ جواظٍ  مستكبرٍ{.]قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح[  (العتل): الغليظ الجافي. (الجواظ): الفاجر 
ومن اهتمامِ النبيِّ (ﷺ( بشأنِ الضعفاءِ أنَّ امرأةً سوداءَ كانتْ تقُمُّ المسجدَ، ففقدها رسولُ اللهِ (ﷺ( ، فسألَ عنها، فقالوا: ماتتْ. فقالَ (ﷺ(: }أفلا كنتم آذنتموني{، فكأنهم صغَّروا أمرَها. فقال النبيُّ (ﷺ(: }دلوني على قبرِها» فدلّوه فصلَّى عليها{ ]رواه البخاري ومسلم[.
إنَّ المجتمعَ الذي يشعرُ فيه الفقيرُ والمسكينُ والضعيفُ بأهميتِهِ واهتمامِ المسؤولينَ والقادةِ والقوانينِ به لهو مجتمعٌ التكافلِ والرحمةِ والإنسانيةِ الذي ينعمْ به الجميعُ ويسعدوا بظلالِهِ.
يقول النبي (ﷺ(: }من وَلي أمرَ الناسِ، ثم أغلقَ بابهُ دون المسكينِ والمظلومِ وذوي الحاجةِ، أغلقَ اللهُ تباركَ وتعالى أبوابَ رحمتهِ دونَ حاجتهِ وفقرهِ أفقرَ ما يكونُ إليها{  ]رواه أحمد[
وفي الجملةِ كانَ رسولُ اللهِ (ﷺ( يهيبُ بالأمةِ كلِّها أنْ تقفَ لنصرةِ المظلومِ أيًّا كان مستواه ومكانتهِ؛ حيثُ ربطَ بين هذه القضيةِ وقضيةِ كرامةِ الأمةِ نفسِها، فقال: } كيفَ يقدسُ اللهُ أمةً لا يؤخذُ لضعيفِها من شديدِها حقَّه وهو غير متعتعٍ{ ]رواه ابن ماجه[
ولقد كان الصالحون رضوان الله عنهم لهم حال مع الضعفاء والفقراء والمساكين، ولقد أثرعن علي زين العابدين رحمه الله أنه كان إذا جن عليه الليل حمل الطعام على ظهره إلى بيوت الأرامل والأيتام وكان إماماً من أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام الدين ومع ذلك تواضع لله عز وجل؛ لعلمه أن الله يحب منه تلك الخطوة، ولعلمه أن جبر تلك القلوب يجبر الله به كسر العبد في الدنيا والآخرة فخرج رحمه الله في الظلام بعيداً عن الرياء والسمعة والثناء، يشتري بذلك رحمة الله سبحانه، فلما توفي رحمه الله فقدت تلك البيوت من كان يقرع عليهم في جوف الليل، وفي بعض الروايات: كان ما يقرب من ثلاثين بيتاً من ضعفة المسلمين، كان يمشي إليها بخطواته، فمات رحمه الله وما ماتت تلك الخطا، وسيراها بعينيه في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
المشي إلى الضعفاء، والمشي إلى البؤساء له لذة يعرفها من يعرفها .. 
المشي إلى المحرومين البائسين له رحمة يجدها من وجدها، فهؤلاء الأئمة الأخيار الصفوة الأبرار، عرفوا مقدار المعاملة مع الله، فاختاروا لنهارهم العلم والعمل، واختاروا لليلهم جبر القلوب المكسورة، وإدخال السرور عليها، فلما أرادوا أن يغسلوه رحمه الله خلعوا ثيابه فوجدوا ظهره متشحطاً من كثرة ما حمل عليه من الطعام، فرحمه الله برحمته الواسعة!
3 ـ رحمة النبي (ﷺ( بالعصاة والمذنبين :
وأحوج الناس إلى الرحمة هم العصاة والمذنبون، ولكنهم يحتاجون إلى رحمة التوجيه والهداية لطاعة الله، فإن الإسلام رحمة، والهداية والالتزام رحمة، وهناك أممٌ تنتظر منك أن تدلهم عليها، وأن تهديهم بإذن الله إليها، وأن تأخذ بمجامع قلوبهم إلى الله، فتحببهم في طاعة الله ومرضاته، قال (ﷺ(: (أنا رحمة مهداة). 
فمن رحمة النبي (ﷺ( مع بعض أخطاء الغير....
يحكي خوات بن جبير عن نفسه فيقول ‏:‏ نزلنا مع رسول الله (ﷺ( مر الظهران‏.‏ قال‏:‏ فخرجت من خبائي فإذا أنا بنسوة يتحدثن فأعجبنني، فرجعت فاستخرجت حلة فلبستها، وجئت فجلست معهن، وخرج رسول الله (ﷺ( من قبة، فلما رأيت رسول الله (ﷺ( هبته واختلطت، وقلت‏:‏ يا رسول الله، جمل لي شرد فأنا أبتغي له قيداً‏.‏ ومضى فاتبعته فألقى إلي رداءه، ودخل الأراك فقضى حاجته وتوضأ، فأقبل والماء يسيل على صدره من لحيته‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏أبا عبد الله، ما فعل ذلك الجمل‏"‏‏؟‏
وارتحلنا، فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال‏:‏ ‏"‏السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شراد ذلك الجمل‏"‏‏؟‏ فلما طال ذلك علي أتيت المسجد، فقمت أصلي، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض حجره‏.‏ فجاء فصلى ركعتين، فطولت رجاء أن يذهب ويدعني‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏أبا عبد الله، طول ما شئت أن تطول، فلست بمنصرف حتى تنصرف‏"‏‏.‏ فقلت في نفسي‏:‏ والله لأعتذرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبرئن صدره‏.‏ فلما انصرفت قال‏:‏ ‏"‏السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شراد ذلك الجمل‏"‏‏؟‏
 قلت‏:‏ والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏يرحمك الله‏"‏، ثلاثاً، ثم لم يعد لشيء مما كان‏ .
الرحمة أفضل ما تكون بالدلالة على الخير، فكم من أناس هدوا إلى سواء السبيل، ودلوا إلى المَعلَم والدليل فأصابوا رحمة الله العظيم الجليل.
4ـ رحمة النبي (ﷺ( بالحيوان: 
لقد أخبر النبي صلي الله عليه وسلم أن الجنة فتحت أبوابها لامرأة بغي من بغايا بني إسرائيل لمجرد أنها سقت كلبا عطشان فأخرج مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله (ﷺ( قال:} إن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها أي استقت له بخفها  فغفر لها { فقد غفر الله لهذه البغي ذنوبها بسبب ما فعلته من سقي هذا الكلب. 
وأخبر النبي (ﷺ( أن النار فتحت أبوابها لامرأة حبست هرة لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ، فيقول رسول الله (ﷺ( على }عذبت امرأة في هرة لم تطعمها ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض{ ]أخرجه البخاري ومسلم[
وقد حرم الإسلام تعذيب الحيوان ولعن المخالفين على مخالفتهم، فقد روى مسلم بسنده إلى ابن عباس أن النبي (ﷺ( مرّ على حمار قد وسم في وجهه فقال: }لعن الله الذي وسمه{، وفي رواية له: } نهى رسول الله (ﷺ( عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه{.
وقد حرمت الشريعة الإسلامية تصبير البهائم أي أن تحبس لترمى حتى تموت  كما حرمت المثلة  وهي قطع أطراف الحيوان .
فقد روي عن ابن عمر أنه قال: }نهى النبي (ﷺ( عن أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل{  ]أخرجه الإمام أحمد[                                      
وأخرج البخاري ومسلم عن المنهال بسنده إلى عبد الله بن عمر أنه قال: }لعن النبي (ﷺ( من مثّل بالحيوان{
لقد رحم رسول الله (ﷺ( الحيوان الأعجم من أن يُجوَّع أو يُحمَّل فوق طاقته.. فقال في رحمة بالغة حين مَرَّ على بعير قد لحقه الهزال: }اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ
الْمُعْجَمَةِ ‏فَارْكَبُوها  صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً{ [ أبو داود وابن خزيمة ].
بل هو يرحم الحيوان حتى في حالة ذبحه، فإن كان لابد أن يُذبَح فلتكن عملية الذبح هذه رحيمة، فيقول: }إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ{
[أخرجه  مسلم وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، وأحمد، والدارمي ، وابن حبان ]. 
بل إنه (ﷺ( يتجاوز البهائم إلى الطيور الصغيرة التي لا ينتفع بها الإنسان كنفعه بالبهائم، وانظر إلى رحمته بعصفور!! 
يقول رسول الله (ﷺ(: }مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا‏ عَجَّ‏ ‏إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ{ [أخرجه النسائي ، وأحمد ، وابن حبان ، والطبراني في المعجم الكبير ، والبيهقي ]. 
إنّ دعوة الإسلام للرفق والرحمة بالحيوان هي من باب أولى دعوة لاحترام الإنسان والرحمة به، فإذا كان الإسلام رحيمًا بالكائن الذي لا ينطق ولا يعقل ولا يمتلك أحاسيس الإنسان ومشاعره ولا كرامته وموقعه، فما بالك بأكرم الخلق وأفضل الكائنات.
وكل ذلك يؤكد عظمة هذا الدين وأنه دين يعني بكل الجوانب الإنسانية لأن في ذلك سعادة الإنسان وأمنه.
5 ـ رحمة النبي (ﷺ( بغير المسلم :
لقد شملت رحمة الإسلام القريب والبعيد والمسلم وغير المسلم فرأينا سلوك المسلمين مع المحاربين من غير المسلمين ، أساسه قوله تعالى:}لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9){ ]الممتحنة[
فالبر والقسط مطلوبان من المسلم للناس جميعًا، ولو كانوا كفارًا بدينه، ما لم يقفوا في وجهه ويحاربوا دعاته، ويضطهدوا أهله.
فنجد رسول الله (ﷺ( يغضب عندما يجد امرأة مقتولة وهو يمر في إحدى الغزوات فقال (ﷺ( ما كانت هذه لتقاتل ، بل ينهي عن قتل النساء والشيوخ والأطفال ومن لا مشاركة له في القتال .
إن المتأمل لحروب رسول الله (ﷺ( مع أعدائه سواء من المشركين، أو اليهود، أو النصارى ، ليجِد حُسن خُلق رسول الله (ﷺ( مع كل هؤلاء الذين أذاقوه ويلات الظلم والحيف والبطش ، إلاّ أنه كان يعاملهم بعكس معاملاتهم له.
فإذا تأمّلْنا وصية رسول الله (ﷺ( لأصحابه المجاهدين الذين خرجوا لرد العدوان نجد في جنباتها كمال الأخلاق ونُبل المقصد ....
فها هو ذا رسولُ الله (ﷺ( يوصي عبد الرحمن بن عوف  عندما أرسله في شعبان سنة (6ه) إلى قبيلة كلب النصرانية الواقعة بدومة الجندل؛ قائلاً: }اغْزُوا جمِيعًا فِي سبِيلِ اللهِ، فقاتِلُوا منْ كفر بِاللهِ، لا تغُلُّوا، ولا تغْدِرُوا، ‏ولا‏ ‏تُمثِّلُوا، ‏ولا تقْتُلُوا ولِيدًا، فهذا عهْدُ اللهِ وسِيرةُ نبِيِّهِ فِيكُمْ{  ]رواه الحاكم  وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص: صحيح. والطبراني: المعجم الأوسط [
وكذلك كانت وصية رسول الله (ﷺ( للجيش المتّجه إلى معركة مؤتة؛ فقد أوصاهم  قائلاً: }‏اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سبِيلِ اللّهِ، قاتِلُوا منْ كفر بِاللهِ، اغْزُوا ولا ‏تغُلُّوا، ‏ولا ‏تغْدِرُوا، ‏‏ولا ‏تمْثُلُوا، ‏ولا تقْتُلُوا ولِيدًا، أوِ امْرأةً، ولا كبِيرًا فانِيًا، ولا مُنْعزِلاً بِصوْمعةٍ{]أخرجه الإمامُ مسلم في صحيحه، وأبو داود ، والترمذي، والبيهقي[.
عن ابن عمر رضي الله عنهما  أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله (ﷺ( مقتولة ، فأنكر رسول الله (ﷺ( قتل النساء والصبيان { ]رواه البخاري ومسلم[
وفي رواية لهما} وجدت امرأة مقتولة في بعض تلك المغازي . فنهى رسول الله (ﷺ( عن قتل النساء والصبيان {
وكان النبي (ﷺ( حريصا علي دعوتهم ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه : كان غلام يهودي يخدم النبي (ﷺ( فمرض ، فأتاه النبي (ﷺ( يعوده ، فقعد عند رأسه ، فقال له : أسلم . فنظر إلى أبيه وهو عنده ، فقال له : أطع أبا القاسم (ﷺ( ، فأسلم ، فخرج النبي (ﷺ( وهو يقول :} الحمد لله الذي أنقذه من النار{ ]رواه البخاري[
فكان (ﷺ( يحمل عن العجوز وإن كانت كافرةً به ولم تكن تعرفه حتى إذا أوصلها لبيتها حذَّرتْه من اتباع من يدَّعي النبوة، فأخبرها النبي (ﷺ( أنه محمدُ بن عبد الله (ﷺ(!!
وكان إذا ذبح شاةً وأمر بتوزيع جزءٍ منها على الجيران لا ينسى أن يوصي: "هل أهديتم إلى جارنا اليهودي؟" .
وتروي كتب السير أنه (ﷺ( بكى لما رأى جنازةَ مشرك، ولما سئل عن سبب بكائه (ﷺ( قال: "نفس تفلَّتت مني إلى النار"، وتبلغ رحمته (ﷺ( بأعدائه القمةَ السامقة عندما يتعرَّض لإيذائهم، ففي هذه المَواطن التي يفقد فيها الرحماء رحمتَهم، عندما تعرَّض للسباب والضرب من أهل الطائف، ونزل ملك الجبال في صحبة جبريل (ﷺ( يعرض على النبي(ﷺ( أن يطبق عليهم الأخشبين، يقول النبي (ﷺ( قولته المشهورة: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون".
وفي هذا القول جمع النبي (ﷺ( مقاماتِ الإحسان كلها، فقد عفا عنهم، والتمس لهم العذرَ بجهلهم، ثم دعا لهم ولم يكن هذا موقفًا فريدًا للنبي (ﷺ( بل كان هذا خلُقه مع من خالفه وحاربه، كما في قوله  (ﷺ( }اللهم اهدِ دوسًا، اللهم اهدِ ثقيفًا، اللهم اهدِ أمَّ أبي هريرة{ " .                     
ثم تجلَّت رحمته (ﷺ( يوم فتح مكة، وقد فعل أهلُها به وبأصحابِه ما فعلوا ،قال عمر: لما كان يوم الفتح ورسول الله بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية، وإلى أبي سفيان بن حرب، وإلى الحارث بن هشام، قال، عمر: فقلت لقد أمكن الله منهم، لأعرفنهم بما صنعوا، حتى قال رسول الله (ﷺ(: "مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريبَ عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين"،
قال عمر: فافتضحت حياءً من رسول الله (ﷺ( من كراهية أن يكون بدَرَ مني، وقد قال لهم رسول الله (ﷺ( ما قال!!
العنصر الثاني : أثر رحمة النبي (ﷺ(:
لم تكن رحمة النبي(ﷺ( مجرد عاطفة مجردة، بل كانت طاقة إيجابية أعادت تشكيل الفرد والمجتمع، وامتد أثرها ليصنع حضارة إنسانية فريدة.
الأثر على الفرد والمجتمع:
في مجال تزكية النفوس:
غرست السكينة والطمأنينة في القلوب، وتحول الفرد من القسوة والجفاء إلى الرقة والإحسان.
في مجال تآلف القلوب:
قضت على الضغائن والأحقاد، وجعلت المجتمع كالجسم الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالبصر والسهر.
في مجال ترسيخ العدالة:
حمت الضعفاء والمساكين والأيتام، وأعادت للمرأة مكانتها وللأجراء حقوقهم.
لقد استطاع النبي (ﷺ( بفضل ربه عز وجل أن يؤسس لأعظم دولة عرفها التاريخ ، حيث أخرج للوجود أمة ومكن لعبادة الله تعالي في الأرض ، ووضع أسس العدالة الاجتماعية ، وحول جيل كامل من رعاة البقر إلي قادة للأمم ،
الأثر الحضاري والإنساني:
تغيير مفاهيم القوة:
تحولت السيطرة من منطق الغلبة والبطش إلى منطق الرفق والعدل والعفو عند القدرة حتى مع الأعداء ، رفض الدعاء على المشركين عندما قيل له ادعُ عليهم، وقال: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً»، ودعا لدوس وأهل الطائف بالهداية، وضرب أروع الأمثلة يوم فتح مكة عندما قال لقريش: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».
دخول الناس في الدين:
كانت أخلاقه ورحمته السبب الأول في شرح صدور المخالفين وتحول أعدائه إلى أحباب وأتباع.
استطاع بفضل الله تعالي أن يخرج للعالم كله المواهب والعبقريات العظيمة  من أمثال عمر ابن الخطاب وخالد ابن الوليد وعمرو ابن العاص وعكرمة ابن أبي جهل ....وحولهم من جيل لا يعرف إلا الفوضى إلا جيل يعرف النظام والعدل .
تأسيس حقوق الكائنات:
سبقت رحمة النبي (ﷺ( القوانين الحديثة في وضع التشريعات للرفق بالحيوان وحماية البيئة، حيث نهى النبي (ﷺ( عن إجاعة البهائم أو تحميلها فوق طاقتها أو اتخاذها هدفاً للرماية، وأمر بإحسان الذبح وحدّ الشفرة لراحة الذبيحة.
لقد جعلت هذه الرحمة من السيرة النبوية منهج حياة صالحاً لكل زمان ومكان، يبني المجتمعات على أساس من الحب والتراحم.
العنصر الثالث : حاجتنا إلي التخلق بخلق الرحمة :
إن حاجتنا اليوم إلى التخلق بخلق الرحمة ليست مجرد نافلة من القول أو رفاهية أخلاقية، بل هي ضرورة ملحة لاستقامة الحياة، وسلامة المجتمعات، ونواة أساسية لبناء الإنسان.
ضرورة اجتماعية وأخلاقية:
ترميم العلاقات الأسرية والاجتماعية:
تفشي القسوة والجفاء يؤدي إلى تفكك الأسر وقطيعة الأرحام؛ والتراحم هو السبيل الوحيد لإعادة الدفء والترابط بين الأفراد.
علاج الجفاف الروحي:
يعاني العالم المعاصر من طغيان الماديات وجفاف المشاعر، والتخلق بالرحمة يعيد للقلوب حيويتها وللنفوس سكينتها.
حماية الضعفاء والمحتاجين:
الرحمة هي المحرك الأساسي لكفالة اليتيم، وإغاثة الملهوف، وعيادة المريض، ومساندة كبار السن والضعفاء في المجتمع.
سبيل لنيل رحمة الله وتوفيقه:
الجزاء من جنس العمل:
نيل رحمة الخالق مرتبط ارتباطاً وثيقاً برحمتنا للمخلوقين، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال : قال رسول الله (ﷺ(: }الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ{  ]أخرجه ابو داود[
وقال الطيبي: أتى بصيغة العموم ليشمل جميع أصناف الخلق ، فيرحم البر والفاجر، والناطق ، والبهم ، والوحوش والطير. وعن عمرو بن حبيب قال: قال رسول الله (ﷺ(: }خاب عبد وخسر لم يجعل الله تعالى في قلبه رحمة للبشر{ ]أخرجه أبونعيم في معرفة الصحابة [
وعن انس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ﷺ(:}لا يدخل الجنة منكم إلا رحيم{ قالوا يا رسول الله, كلنا رحيم , قال ليس رحمة أحدكم نفسه وأهل بيته حتى يرحم الناس .
شرط لبناء مجتمع متماسك:
التراحم يثمر مجتمعاً آصلاً يشد بعضه بعضاً، ويسود فيه الرفق في التعامل والتغاضي عن الهفوات والتسامح عند الخلاف.
أيّها المسلمون: 
ألا ما أحوجَ البشريّةَ إلى هذهِ المعاني الإسلاميّةِ السّامية، وما أشدَّ افتقارَ الناسِ إلى التخلُّق بالرّحمة التي تُضمِّد جراحَ المنكوبين، وتحثّ على القيامِ بحقوقِ الوالدَين والأقربين، والتي تواسِي المستضعَفين، وتحنو على اليتامَى والعاجِزين، وتحافِظ على حقوقِ الآخرين، وتحجز صاحبَها عن دِماء المعصومين من المسلمين وغير المسلمين، وتصون أموالَهم مِن الدّمار والهلاك، وتحثّ على فِعل الخيراتِ ومجانبَة المحرّمات.
العنصر الرابع :الأسباب المعينة على التخلق بخلق الرحمة :
اكتساب خلق الرحمة وتحويله إلى سجية وطبع يتطلب العمل ببعض الأسباب الإيمانية والعملية التي تلين القلوب وتطهر النفوس:
الأسباب الإيمانية والروحية:
تدبر أسماء الله وصفاته:
التعرف على معاني اسمي الله (الرحمن الرحيم) واستشعار شمول رحمته لكافة المخلوقات.
قراءة السيرة النبوية:
تأمل مواقف النبي (ﷺ( ورحمته بأمته وأهله وأعدائه والافتداء به.
قراءة كتاب الله عز وجل:  
فمن أعظم الأسباب التي تعين على الرحمة وتيسر للإنسان طريقها: قراءة كتاب
الله جل جلاله، قال العلماء: إن الرحمة لا تدخل إلى قلبٍ قاسٍ، والقلوب لا تلين إلا بكلام الله، ولا تنكسر إلا بوعد الله ووعيده وتخويفه وتهديده، فمن أكثر تلاوة القرآن، وأكثر من تدبر القرآن كسر الله قلبه ودخلت فيه الرحمة.
تذكر مشاهد الآخرة :
كذلك من الأسباب التي تعين على رحمة الضعفاء: تذكر الآخرة، فإن العبد إذا تذكر مشاهد الآخرة، وصور نفسه كأنه قائمٌ بين يدي الله تجادل عنه حسنته، ويقف بين يدي الله عز وجل وقد نشر له ديوانه، وبدت له أقواله وأفعاله، إذا تصور مثل هذه المواقف قادته إلى الله وحببت إلى قلبه الخير وجعلت أشجانه وأحزانه كلها في طاعة الله ومرضاته.
الرجاء في رحمة الله:
تذكر أن رحمة الخلق سبب لنيل رحمة الخالق، وأن القسوة سبب للحرمان، كما قال (ﷺ( : «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ».
معرفة سيرة السلف الصالح:
ومن أعظم الأسباب التي تعين على الرحمة: قراءة سيرة السلف الصالح، الأئمة المهديين من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، والوقوف على ما كانوا عليه من الأخلاق الجميلة والآداب الكريمة، كل ذلك يحرك القلوب إلى الرحمة، ويجعل فيها شوقاً إلى الإحسان إلى الناس، وتفريج كرباتهم، وقل أن تجلس في مجلس فيذكر فيه كريمٌ بكرمه، أو يذكر المحسن فيه بإحسانه إلا خشع قلبك.
فهذا إنسان كان معتكفا في مسجد النبي (ﷺ(, رأى رجلا كئيبًا، قال له: مالي أراك كئيباً؟
قال: ديون لزمتني ما أطيق سدادها، قال: لمن؟
قال: لفلان، فهذا ابن عباس قال: أتحب أن أكلمه لك؟ قال: إذا شئت، فخرج ابن عباس من معتكفه، والاعتكاف في رمضان من أجل العبادات، قال له واحد: يا بن عباس أنسيت أنك معتكف؟ قال: لا والله ما نسيت أني معتكف، ولكن سمعت صاحب هذا القبر، والعهد به قريب، وبكى (لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجدي هذا).
وهذه أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها يأتيها عطاؤها من أمير المؤمنين معاوية رضي الله عن الجميع وهي صائمة  ثلاثون ألف درهم وهي في أشد الحاجة، فتوزعها على الفقراء إلى فلان وآل فلان، ولم تبق منها شيئاً حتى غابت عليها الشمس، فالتمست طعاماً تفطر عليه فلم تجد. فسير الرجال وسير الصالحين وسير الأخيار تحرك القلوب إلى الخير، والله تعالى يقول في كتابه: {وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120)} [هود] 
معاشرة الرحماء:
كذلك أيضاً مما يحرك القلوب إلى الرحمة والإحسان إلى الناس: معاشرة الرحماء، فانظر في إخوانك وخلانك، فمن وجدت فيه الرحمة ورقة القلب وسرعة الاستجابة لله، فاجعله أقرب الناس منك، فإن الأخلاق تعدي، فإذا عاشر العبد الصالحين أحس أنه في شوق للرحمة، وأحس أنه في شوق للإحسان إلى الناس، ودعاه ذلك إلى التشبه بالأخيار، فكم من قرينٍ اقترن بقرينه، كان من أقسى الناس قلباً، فأصبح ليناً لان قلبه بصحبة الصالحين.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أشد الناس قلباً وأعظمهم صلابة، فلما كسر الله قلبه بالإسلام، كان من أرحم الناس بالمسلمين رضي الله عنه وأرضاه ؛ لأنه عاشر رسول الأمة وإمام الرحماء(ﷺ( فتأثر به، حتى قيل عنه  }كان أرحم الناس بالناس بعد رسول الله (ﷺ{(.
الأسباب العملية والسلوكية
الاختلاط بالضعفاء، والمساكين، وذوي الحاجة:
فإنَّه مما يلين القساوة ،و يرقِّق القلب، ويدعو إلى الرَّحْمَة والشفقة بهؤلاء وغيرهم.
مجاهدة النفس والتواضع:
كسر الكبر والأنانية، والاعتراف بالضعف البشري، مما يدفع الإنسان للرفق بالآخرين والتجاوز عن زلاتهم.
إطعام الطعام وعيادة المريض:
ممارسة أعمال البر والصدقة الفعلية التي تجعل الرحمة واقعاً ملموساً ونشاطاً يومياً.
الدعاء والتضرع:
التوجه إلى الله بطلب سلامة الصدر ولين القلب، وأن ينزع من النفس الغل والقسوة
الخاتمة :
عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن التأسي بالنبي (ﷺ( لا يكون بشعار يُرفع، ولا بكلام يُقال، إنما بالتحلي بأخلاقه وتطبيق رحمته في واقع حياتنا؛ فرحمة بالأبناء والبنات، ورحمة بالآباء والأمهات، ورأفة بالضعفاء والمساكين، ورفقاً في البيع والشراء والتعامل مع الناس أجمعين.
فنحن إذا تراحمنا فيما بيننا كنا أهلا لرحمة الله تعالى ونصره وتوفيقه ، وإذا قسا بعضنا على بعض سقطنا من عين الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فاتقوا الله ألا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
اللهم اجعلنا من الرحماء والراحمين، وانزع القسوة والغل من قلوبنا، وألف بين قلوبنا، واصلح ذات بيننا.
اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وتولّ أمرنا، واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
 
تمت بحمد الله وتوفيقه

رابط pdf

https://top4top.io/downloadf-3887o10kd1-pdf.html

رابط doc

https://top4top.io/downloadf-3887ww9kq2-docx.html