الحمد لله رب
العالمين ... أمر باللين وخفض الجناح فقال تعالي}فَبِما رَحمةٍ مِّنَ
اللهِ لِنتَ لَهم ولَو كُنتَ فَظَّاً غَليظَ القلب لانفضُّوا مِن حَولِكَ فاعفُ
عَنهُم واستَغفِر لَهم وشَاوِرهُم في الاَمرِ فإذا عَزَمتَ فَتَوكَّل على اللهِ إِنَّ
ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ (159){ ] آل عمران[ .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
... له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير.. أمر باللين و الرفق في القول مع
الجميع فقال لنبيه موسي وأخيه هارون عندما أرسله إلي فرعون فقال تعالي } فَقُولَا لَهُۥ
قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ (44) { ]
طه[.
وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله (ﷺ) حدد
الغاية من بعثته فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ﷺ) : }إنما بُعِثْتُ
لأُتَمِّمَ مكارمَ و في روايةٍ ( صالحَ ) الأخلاقِ{ ] أخرجه البيهقي[
فاللهم صل وسلم علي سيدنا محمد وعلي آله
وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلي يوم الدين .
أما بعـد : فيا أيها المؤمنون.
إنّ
من مهام الدين التي لا تنفصل عنه : تنظيم أنشطة الغرائز الفردية ، وتنظيم العلاقات
الاجتماعية ، وأنشطة الغرائز لوحدها ذات بعدين:
بُعد
فردي تنعكس آثاره على الفرد ذاته .
بُعد
اجتماعي تمتد آثاره إلى المجتمع لتظهر في طبيعة علاقاته وفي صورته النهائية
بالضرورة ..
وهذا
النظام المعني بتنظيم ذلك كلّه هو النظام الاخلاقي ، ببعديه الفردي والاجتماعي.
إن النظام الاخلاقي في بعديه ـ الفردي
والاجتماعي ـ هو رسالة الأديان السماوية كافة ، ذلك أن مصدر هذه الاديان كلها واحد
، وهو الواحد ذاته المتفرّد بخلق الطبيعة البشرية والعالِم بأسره ، وبما يصلحها
ويقودها إلى الكمال والتألّق ، ولربما أوجز خاتم الاَنبياء (ﷺ) دعوته في بعض جوانبها بقوله الشريف :
« إنّما بعثتُ لأتمم
مكارم الاَخلاق »
الناظر في هذا الدين
العظيم يجد أنه يعتمد في المقام الأول على الأخلاق، فالأخلاق هي قوام المجتمع
الرقي وملاك الأمـة الفاضلة ،و بقاء الأمم والشعوب متوقف علي أخلاق هذه الأمم وازدهار أخلاقها، لأن
حاجة الناس إلي الأخلاق أشد من حاجتهم إلي الطعام والشراب لأنه بفقد الطعام
والشراب يضعف البدن الظاهر ، أما بفقد الأخلاق هلاك الباطن وهو عبارة عن الروح
والقلب وشتان بين هلاك الظاهر وهلاك الباطن ،فالأخلاق هي المؤشِّر على استمرار
أمَّة ما أو انهيارها؛ فالأمة التي تنهار أخلاقُها يوشك أن ينهارَ كيانُها، كما
قال أحمد شوقي رحمه الله تعالي:
وإذا أُصيب القومُ في أخلاقِهم
فأقِمْ عليهم مأتَمًا وعويلا
فمن
زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين.
فمن
الأخلاق الهامـة التي نحتاج إليها في تعاملاتنا اليومية حتى يعم السلام والمودة
والرحمة خلق الرفق ، لذلك كان
حديثنا عن موضوعنا }
الرفق كله خير{ وذلك من خلال هذه العناصر الرئيسية
التالية ...
1ـ تعريف الرفق في
الإسلام .
2ـ الرفق في
القرآن الكريم .
3ـ الرفق في السنة
النبوية المطهرة.
4ـ أنواع الرفق .
5ـ الآثار
المترتبة على عدم الرفق.
6ـ كيف نتعلم
الرفق .
7 ـ صور مضيئة من رفق
النبي (ﷺ).
8 ـ الخاتمة .
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
العنصر الأول :
تعريف الرفق في الإسلام :
الرفق: ضد
العنف والشدّة ، ويُراد به اليسر في الأمور والسهولة في التوصل إليها ، وأصل الرفق
في اللغة هو النفع ، ومنه قولهم : أرفق فلان فلاناً إذا مكّنه مما يرتفق به ،
ورفيق الرجل : من ينتفع بصحبته ، ومرافق البيت : المواضع التي ينتفع بها ، ونحو
ذلك .
العنصر الثاني:
الرفق في القرآن الكريم :
حثَّ القرآن الكريم على اعتماد الرفق خياراً مبدئياً في نهج
الدعوة إلى الاِسلام ، واعتبره ركناً وأساساً مهماً يقوم عليه صرح الهدى الرسالي
للفكر والعقيدة الحقّة التي دعي إليها جميع الاَنبياء والمرسلين ، ولقد تعددت لغة
الخطاب القرآني لتمتلئ بها كلّ الآفاق التي يمتد إليها الرفق في معانيه الواسعة
وغاياته البعيدة .. وسوف نصنف هنا الآيات الواردة في الرفق بحسب مواردها ،على
النحو الآتي. الآية الاُولى : (اللين والعفو):
خاطب الله سبحانه نبيه
الاَكرم محمد (ﷺ) قائلاً : }فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ
لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ
فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ
يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ (159)] {آل عمران[
اللين في المعاملة : الرفق : أي أنّ لينك لهم
مما يوجب دخولهم في الدين ، لاَنك تأتيهم مع سماحة أخلاقك وكرم سجيتك بالحجج
والبراهين .
فلولا هذا الرفق
الذي اعتمده الرسول (ﷺ) مع من أُرسل اليهم لما تمكن من استقطاب الناس حول رسالته ،
إذ إن الفظاظة والغلظة المناقضة للرفق واللين إذا ما اعتُمدت خياراً منهجياً في
التبليغ والدعوة إلى الحق فإنَّ مردودها سيكون عكسياً ، لا يثمر استقطاب الناس حول
ذلك الحق وإن كان أبلجاً.
وتعميقاً لروح الرفق واللين التي يريدها الله جل شأنه في
الدعوة إلى الحق ، جاء التأكيد في نفس تلك الآية المباركة على ما يجسد حالة الرفق
واللين العملي بين يدي المؤمنين ، في جملة مكارم الاَخلاق التي اهتم الاِسلام
بتحقيقها على النحو الأكمل وإشاعتها بين الناس ، فهي تأمر بالعفو لمن يُسيء
والغفران لمن يخطئ ، ليتجلى الرفق ويتمظهر اللين في حركة التغيير
والاصلاح على منهجية المبلغ الرسالي ( فَاعفُ عَنهم
وَاستَغفِر لَهم ).
الآية الثانية : ( خفض الجناح )
( واخفِضْ جَنَاحَكَ للمُؤمنِينَ ) وخفض الجناح كناية عن اللين
والرفق والتواضع. أي ألِن لهم جانبك وارفق بهم ، والعرب تقول : فلان خافض الجناح
إذا كان وقوراً حليما .. والمعنى : تواضع للمؤمنين لكي يتبعك الناس في دينك .
والتعبير عن تلك المعاني بخفض الجناح تعبير تصويري يمثّل لطف
الرعاية وحسن المعاملة ورقّة الجانب في صورة محسوسة على طريقة القرآن الفنية في
التعبير
وفي هذه الآية
الكريمة تعبير آخر عن الرفق واللين واللطف واليسر، التي يحرص القرآن المجيد على أن
يتخلق بها حملته ومبلّغوا تعاليمه ، وقد خوطب بها الرسول الاَكرم (ﷺ) وهو الذي
يشهد له القرآن بقوله تعالى: }وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ (4){ ]القلم[
وقوله سبحانه :} لَقَد جَآءكُم رَسُولٌ مِّن
أنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيه مَا عَنِتُّم حَريصٌ عَلَيكُم بالمؤمنينَ رؤُوفٌ رَّحيمٌ
{ ]
التوبة[
وهو الذي يقول لأصحابه
}إن أحبَّكم إليَّ،
وأقربَكم مني في الآخرة مجلسًا،
أحاسنُكم أخلاقًا، وإن
أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني في الآخرة أسوَؤُكم أخلاقًا، الثَّرثارون
المُتفَيْهِقون المُتشدِّقون{ ] السلسلة الصحيحة[
ـ فإذا كان
الرسول الاَعظم (ﷺ) قد خوطب بمثل هذا الخطاب ( واخفِضْ جَنَاحَكَ لِلمُؤمنِين ) فمن باب أولى ان يقتدي المؤمن الرسالي بتلك الاخلاق العالية
والتحلي بها ، تجسيداً لقوله تعالى }لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ
يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا (21){ ] الأحزاب[
فالقرآن الكريم أراد لنا عبور كل ذلك مع المؤمنين إلى بلوغ صفة
التذلل لهم }أذِلَّةٍ على المؤمِنين أعِزَّةٍ على الكَافِرينَ{
ومن هنا يعلم أن خفض الجناح يستلزم تلك الصفة الراقية التي
يستشعر المؤمن من خلالها كرامته ، وتقوى بذلك شخصيته ، ولا ريب أنّه لا يغفل
المؤمن سر التذلل له ، ويدرك جيداً أنّه وليد التزام الطرف الآخر برسالته لا خوفاً
ولا طمعاً ، وعندها سيندفع الطرف الآخر إلى نفس المبادرة ، فتتم المعادلة ، ويتحقق
التوازن في بناء شخصية المؤمن الرسالي على أتم وجه.
لكنّ ذلك إنّما هو وقف على المؤمنين المخلصين والطيبين
المتواضعين ، فالتواضع لهؤلاء إنّما هو تواضع لله ، وعلى العكس من ذلك يكون الموقف
إزاء الخونة والمفسدين والمنافقين والمتكبّرين ، فالتكبّر عليهم عبادة ، بل جهاد
في سبيل الله.
الآية الثالثة : (
عباد الرحمن )
قال تعالى: }وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا
وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا (63){ ] الفرقان[
الرحمن ربنا سبحانه يعرّف عباده بجملة من الآيات المباركات في
نهاية سورة الفرقان ، ويبتدىء ذلك بهاتين الصفتين المذكورتين في الآية المتقدمة.
الصفة الاَولى :
هي السير على الاَرض هوناً أي بسكينة ووقار، بلا استعلاء وخيلاء ، الهون ، مصدر
هان عليه الشيء يهون ، أي : خفَّ ، وهذا يعني أنّ مشيهم على الاَرض مشية مُرفِقٍ
بها لا يثير غبارها ، لسهولة التعامل معها واللين في تماسها ، وخفّة الروح عليها.
ومن كانت هذه صفته مع الاَرض التي يطأها فهو مع ساكنيها ـ من
بني جنسه ـ أهون في تعامله وأرقّ في معاشرته وأخفّ في روحه. وبهذه الكلمات يرسم القرآن صورة المؤمن الحقّ
ظاهرةً وباطنةً فالمشية ككل حركة تعبير عن الشخصية وعمّا يستكن فيها من مشاعر، والنفس
السوية المطمئنة الجادّة القاصدة
تخلع صفاتها هذه على مشية صاحبها.
وليس معنى ( يمشون على الاَرض هوناً ) أنّهم يمشون متماوتين منكّسي الرؤوس
متداعي الاَركان متهاوي البنيان ، كما يفهم بعض الناس ممن يريدون إظهار التقوى
والصلاح! فهذا رسول الله (ﷺ) كان إذا مشى تكفّأ تكفّئاً وكان أسرع الناس مشية وأحسنها
وأسكنها .. قال الاِمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : « كان رسول الله (ﷺ) إذا مشى تكفّأ تكفُّؤاً كأنّما ينحطُّ من صبب »
وهي مشية أُولي العزم والهمّة والشجاعة.
وأما الصفة
الثانية : فهي ( إذا خاطبهم الجاهلون
قالوا سلاماً ) فهم لا يمارون الجاهل ولا يقارعونه بالحجة تلو الحجة التي
لا يستطيع هضمها وفهمها ، بل يرفقون به ويقدّرون مبلغ علمه ومستوى جهله ويرأفون
بحاله.
الآية الرابعة : (
هجراً جميلاً )
( واصبِر على مَا
يقُولُونَ واهجُرهُم هَجراً جَمِيلاً ).
الهجر الجميل : أن لا تتعرّض لخصمك بشيء ، وإن تعرّض
لك تجاهلت.
أُمِر النبي (ﷺ) في هذه الآية المباركة بالصبر ـ الذي منه كظم
الغيض ـ على ما يسمعه من الاَقوال البذيئة التي لا تليق ومقام النبوة الشامخ ،
صبراً لا عتاب فيه على أحد ، ولا اعتزاز بالشخصية ، أو دفاع عن الذات ، بل تركهم
إلى الله سبحانه ، مع الهجر الجميل الذي لا يترك في نفوسهم شيئاً من وخز الضمير ما
داموا لم يقابلوا بالمثل ، بل بالهجر الجميل الذي لم يترك في نفوسهم اشمئزازاً من
النبي (ﷺ) ولم يزرع فيهم ما يحول بينهم وبينه
مستقبلاً فلا يُقبلوا عليه ولا يسمعوا هديه ، بل كان هجراً جميلاً لم يقطع
خيوط المودة ولم يهدم جسور التواصل التي تمر من خلالها رسالة السماء التي تنشد لأولئك
التكامل وسعادة الدارين.
الآية الخامسة : (
ادفع بالَّتي هي أحسن )
قال تعالى }وَلا تَستَوي
الحَسنَةُ وَلا السّيّئةُ ادفَعْ بالَّتي هِي أحسَنُ فإذا الذِي بَينَكَ وَبينَهُ
عَداوةٌ كأنَّهُ وَليٌ حَمِيمٌ {
في هذه الآية
المباركة يتبين لنا حكم الله جلّ جلاله في المجالين :
التكويني
والتشريعي ، عند التفريق بين الحسن والحسنة من جهة ، والسيء والسيئة من جهة اُخرى
؛ إذ إنّ إرادته سبحانه شاءت أن تكون الطبيعة ويكون العقل شاهدين على التفاوت بين
الاثنين ، وإلاّ كان الحسن والقبيح على حدٍ سواء ، والمحسن والمسيء بمنزلة واحدة ،
وواقع الحال ليس كذلك ؛ إذ عدم التساوي بين الحسنة والسيئة مسلّم عند سائر العقلاء
، ومقرر في جميع الشرائع بلا خلاف.
ولا يخفى بأن الاساءة
للآخرين لها آثارها السلبية في تحقيق التكافل والتعاون ، واثارة البغضاء والعداوة
؛ لذا كان الاَمر بدفعها من أقصر الطرق وأوضحها فائدة ، وأكثرها عائدة ، وذلك بان
تقابل بالإحسان ؛ إذ الانسان مجبول على حب وتقدير من أحسن إليه.
العنصر الثالث : الرفق
في السُنّة المطهّرة:
جاء في كثير من الاَحاديث الشريفة الحث على الرفق والدعوة إليه
وبيان أهميته وتحديد أبعاده وتشخيص ثمراته ، ولا بأس بالوقوف على ضفاف شواطئ تلك
الاحاديث ؛ لنغترف من عذب مائها الرقراق في زمن الظمأ ؛ حيثُ الافكار المادية
العكرة وما نصبته لهذا الاِنسان من كؤوس مرة المذاق لا تروي الغُلّة ولا تشفي
العِلّة.
النبي (ﷺ) يمدح الرفق :
لقد مدح النبي (ﷺ) الرفق بأحاديث كثيرة نذكر بعضاً منها :
1 ـ الرفق يُمنٌ
والخُرق شُؤم :
قال (ﷺ) : « الرفق يُمنٌ والخُرق شؤمٌ ».
وهذا الحديث يصف الرفق باليُمن ، أي : البركة ؛ لمِا لَهُ من
دور حيوي.
في شدّ أزر الناس بعضهم إلى البعض الآخر من خلال ما يزرعه في
نفوسهم من المحبة والصفاء ، حتى يعودوا مباركين في تصرفاتهم ، فيعمّ اليمن ساحتهم
وتتغشاهم بركات السماء.
2 ـ الرفق جمال :
وقال صلي الله عليه وسلم : « إنَّ الرفق لم يوضع على شيء إلاّ زانه ، ولا نُزع من شيء إلاّ شانه ».
وهذا الحديث يحكي جمالية الرفق في أنه لبوس حسن، يزين مرتديه،
فمن تخلّق بالرفق فإنّ الرفق سيزينه ويزيده جمالاً ووقاراً وهيبة ، فلا يلتفت
الآخرون إلى ما هو عليه من عيوب ونقاط ضعف لا ينجو منها عادة إلاّ الكُمّل من
الناس ، وعلى العكس من ذلك فلو أن إنساناً يستجمع من المزايا الحميدة الشيء الكثير
غير أنّه لا يتخلق بالرفق في تصرفاته ، فإنّ مثل هذا الاِنسان سرعان ما ينفر الناس
منه لما للرفق من دورٍ مهم في الكشف عن الاخلاق العملية التي يتفاعل معها الآخرون.
3 ـ
جمال ماهية الرفق وحسن جوهره :
قال صلي الله عليه وسلم : « لو كان الرفق خَلقاً يُرى ما كان مما خلق الله عزّ وجل شيء أحسن منه ».
ويبين لنا هذا الحديث جمال ماهية الرفق وحسن جوهره الباهر ، فهو
صلي الله عليه وسلم يقول : « لو كان الرفق خلقاً يرى » ، أي : لو أن لحقيقة الرفق
صورة مجسدة تظهر للعيان وتتمثل للإنسان « ما كان مما خلق الله عز وجل شيء أحسن منه
» فهو يفوقها حسناً وجمالاً ، وبهذا الطرح الافتراضي والتصويري يبين لنا ما للرفق
من جمالية في حقل الاخلاق وكيانها التكاملي الشامخ.
4 ـ الرفق خير :
وقال صلي الله عليه وسلم : « من أُعطي حظّه من الرفق أُعطي حظّه من خير الدنيا والآخرة ».
وفي هذا الحديث إخبارٌ عن الصادق الامين بأن من يرزق الرفق
يرزق الخير كله. وهذا يعني أن الذي يزداد رفقاً ، يزداد من خير الدنيا والآخرة ،
وعلى العكس سيكون حال الآخر الذي حُرم حظّه من العقل والوقار ، وصرعته الاَنا ،
فاستبدل أناة بالحمق ، وجهلاً بالحلم ، فزرع لدنياه وآخرته ما يسوءه حصاده ،
وتُطيل ندامته عقباه ..
5 ـ الرفق نصف
المعيشة :
وقال صلي الله عليه وسلم: « التودد إلى الناس نصف العقل والرفق نصف المعيشة ، وما عال امرؤ في اقتصاد
».
وبهذا التشخيص الدقيق في بعده الاجتماعي تتوضح أهمية الانفتاح على
الآخرين ، ومداراة عقولهم ، والانسجام معهم من خلال الرفق بهم دون الغلظة عليهم ،
ويعتبر ذلك الرفق معادلاً لنصف الجهد الذي يبذله الاِنسان في دائرة عمله الاقتصادي
بين أفراد المجتمع ، وهو صلي الله عليه وسلم بهذا يعطي أهمية فائقة للأخلاق في
المجال الاجتماعي والاقتصادي اللذين لا ينفكان عن تلازمهما في تسيير عجلة الحياة
المعاشية للفرد والأمة ، ولأجل هذه الحقيقة الحيوية جاء قوله صلي الله عليه وسلم في الفقرة الاَخيرة وما عال امرؤ في اقتصاد.
6 ـ الرفق كرم :
وقال صلي الله عليه وسلم: « الرفق كَرمٌ ، والحلم زَينٌ ، والصبر خيرُ مَركب ». بهذا الوصف
النبوي الشريف يكون المتخلق بالرفق كريماً موقعه بين الناس ، يلزمهم تبجيله
وتعظيمه على سجيته هذه. وبهذا الاحترام تتوسع دائرة الرفق بينهم
لما للقدوة من أثر في
تعميق المفهوم ، واستحقاقه لهذا التجليل جاء من تكرّمه
وترفّعه عن متابعة
الآخرين في هفواتهم وزلاّتهم.
7 ـ الرفق وزير الحلم :
قال صلي الله عليه وسلم : « نِعمَ وزير الايمان العلم ، ونِعمَ وزير العلم الحلم ، ونِعمَ وزير الحلم
الرفق ، ونِعمَ وزير الرفق اللين ».
استوزر الرسول الاَكرم صلي الله عليه وسلم العلم للإيمان ، الحلم للعلم ، الرفق للحلم واللين
للرفق ، وبهذه المنظومة المباركة بيّن لنا التماسك الحيوي بين الايمان والعلم
والاخلاق ، فمن أراد الاِيمان فعليه بالعلم ، ومن أراد العلم الذي يفضي إلى
الاِيمان فعليه أن يتزين بالحلم الذي يجعل من العلم علماً هادفاً نحو التكامل لا
العلم الذي يرافقه الغرور والعجب والتكبر ، ومن أراد إيماناً يستند إلى العلم
النافع والمستوزر بالحلم فما عليه إلاّ التخلق بالرفق الكاشف عن واقعية الحلم
وحقيقته.
الرفق الذي يتضمن : السماحة واللطف والانفتاح والتواضع وتكليم
الناس على قدر عقولهم والتجاوز عن سيئاتهم والترفع من متابعة هفواتهم، رفقاً يتجلى
فيه اللين وتمحى من ساحته الغلظة ، فلا خشونة عند التعامل ولا جفوة بعد التخاصم ،
ولا طغيان عند البغي ، هكذا يريدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم في أبعادنا العلمية والايمانية والاخلاقية ،
وهكذا كان هو ـ روحي له الفدى ـ مجسداً لأخلاق القرآن ، وسنته العملية هي التعبير
الادق لكلِّ ذلك الخُلق النبوي العظيم ، ولأجل هذه الحقيقة الناصعة والمحجة
البيضاء عرّفه ربه سبحانه وتعالى بقوله : ( وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ).
8 ـ الله رفيق يحب
الرفق :
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم « إنّ الله رفيق يحب
الرفق ويعطي على
الرفق ما لا يعطي على
العنف وما لا يعطي على سواه ».
وفي حديث آخر قال صلي الله عليه وسلم : « إنَّ الله عزَّ وجل
رفيق يحب الرفق في الاَمر كلّه ».
فالله جلَّ جلاله رفيق ، والرفق خلقه ، إذ هو اللطيف بعباده
والرحمن بخلقه والرحيم بالمؤمنين ، يرأف ويتحنن ويعفو ويسامح ويغفر ويتوب ، برٌّ
كريم ، ودود حليم ، وهو ـ جلّ ثناؤه ـ يحب لنا أن نتخلق بأخلاقه حتى نغدوا ربانيين
بأخلاقنا ؛ فربنا الصادق يحب لنا أن نكون صادقين ، وربنا المحسن يحب لنا أن نكون
محسنين ، وربنا الرفيق يحب لنا أن نكون رفقاء. ولاشك أنه يعطي على الرفق ما لا
يعطي على العنف.
9 ـ الله يعين على
الرفق :
قال
رسول الله صلي الله عليه وسلم : « إنّ الله يحب الرفق ويعين عليه ».
في
هذا الحديث المبارك يبين لنا النبي صلي الله عليه وسلم أن الله مع كونه يحب الرفق
، فهو سبحانه يعين عليه ، فمن أراد التخلق بالرفق وسعى لاكتساب هذه الفضيلة فإنّ
المد الاِلـهي يُقبل عليه ويقوّي فيه هذه العزيمة ، وهذا كقوله تعالى : ( إنَّهُم
فِتيَةٌ آمَنُوا بِرَبِهِم وَزِدنَاهُم هُدىً ) فبعد أن أقبلوا على الايمان زادهم
الله هدىً ، فكذا الحال في اكتساب سجية الرفق ، فإنّ الله يعين الساعين إليها بأن
يسهل لهم سبل الوصول إلى بغيتهم التكاملية هذه.
فإذا
وجدنا أنفسنا غير متخلقين بهذه السجية الفاضلة فإنّ العيب فينا ،
إذ
لم نسع نحوها حتى تُقْبِل هي إلينا
10 ـ الرفق رأس الحكمة :
قال
رسول الله صلي الله عليه وسلم : « الرفق رأس الحكمة ،
اللّهم من وليَ شيئاً من أمور أُمتي فرفق بهم ، فارفق به ، ومن شقق عليهم فاشقق
عليه ».
الحكمة
كما لا يخفى هي وضع الشيء في محله ، ولما كان الرفق هو من محامد الصفات التي يتصف
بها الخالق المتعال وأنبياءه الكرام وذوي الحجى والالباب ، وبه يعالجون سقم الناس
، فهو الدواء المحكمة مراهمه، والبلسم الناجح شفاؤه ، ينفع مع الفرد في تطبيبه
وتهذيبه ، ومع الاُمّة في تدبير أمرها وسَوْسها.
فالنبي
الاَعظم صلي الله عليه وسلم بعد أن يعرّف
الرفق بأنه رأس الحكمة ، يتوجه إلى ربه بالدعاء بالرفق لمن يرفق بمن وُليَّ عليه ،
وبالمشقة على من يشق عليهم ، ولاشك أن دعوة المصطفى حبيب الله هي دعوة مستجابة
حتماً ، وهي في الوقت نفسه كشف عن قانون وإرادة سماوية في المكافأة والمجازاة
11 ـ أفضل الصاحبين :
الصحبة
في الله عمل ممدوح ، باركه الاِسلام كثيراً ، وحثّ عليه ، وبشّر أهله بالثواب
الجزيل والمنزلة الرفيعة ، لكن بين المتصاحبين في الله تفاضل ، فأحدهما أرفع
منزلةً وأعظم أجراً من أخيه ، فبأيّ مزيّة نال هذا التفضيل؟
رسول
الله صلي الله عليه وسلم يكشف لنا عن سرِّ
هذه المفاضلة ، فيقول : « ما اصطحب اثنان إلاّ كان أعظمهما أجراً وأحبّهما إلى
الله عزَّ وجل : أرفقهما
بصاحبه
».
الرفق
إذن هو الذي رفع أحد الصاحبين على أخيه درجةً ، وشرّفه بمنزلة من
12 ـ الزيادة والبركة :
إنّ
الله تعالى ليجازي عباده على مكارم الاخلاق في الدنيا فيريهم ثمراتها ، كما يدّخر
لهم ليوم لقائه ما هو أنمى وأبقى ، فما الذي يراه المتحلّي بالرفق في دنياه؟
قال
صلي الله عليه وسلم : « إنّ في الرفق
الزيادة والبركة، ومن يُحرم الرفق يُحرم الخير »
وقال
صلي الله عليه وسلم : « ما زوي الرفق عن أهل
بيت إلاّ زويَ عنهم الخير ».
وقال
صلي الله عليه وسلم : « من كان رفيقاً في
أمره نال ما يريد من الناس ».
وقال
الاِمام الصادق رضي الله عنه : « أيّما أهل بيت اُعطوا حظّهم من الرفق فقد وسّع
الله عليهم في الرزق ، والرفق في تقدير المعيشة خيرٌ من السعة في المال ،
والرفق
لا يعجز عنه شيء والتبذير لا يبقى معه شيء ، إنّ الله عزّ وجلّ رفيق يحبّ الرفق ».
13 ـ الرفق في حقوق المؤمنين :
ركّز
الاِسلام كثيراً عنايته بحقوق المؤمنين بعضهم على بعض ، حفظاً لكرامة الاِنسان
المؤمن ، وصيانة للمجتمع ورصّاً لصفوفه ، قال تعالى : ( والمؤمِنُونَ والمؤمِنَاتُ
بَعضُهُم أولِياءُ بَعضٍ ).
العنصر الرابع : أنواع
الرفق :
1- الرفق مع النفس
:
الرفق
في النفس يكون بمجاهدتها والسعي إلى إقامتها على الطريق الصحيح , ويكون بعدم
تكليفها ملا تطيق لأن في ذلك إهانة وإذلالا لها , قال تعالي " لَا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
" البقرة 286.
وعَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:} لاَ يَنْبَغِي
لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ. قَالُوا : وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ ؟ قَالَ :
يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاَءِ لِمَا لاَ يُطِيقُهُ{.
]أخرجه أحمد . وابن ماجة والتِّرْمِذِيّ[.
والرفق مع النفس يكون بنهيها عن الهوى والشهوات والشبهات , قال تعالى : " فَأَمَّا مَنْ
طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ
الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ
الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) ]
النازعات[ .
2- الرفق مع
الوالدين:
أمرنا الله تبارك وتعالى بالإحسان إلى الوالدين وجعل الرفق بهما بعد عبادته سبحانه
, قال تعالى } وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا
أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا
قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ
بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ
غَفُورًا (25){ ] الإسراء[ .
3- الرفق مع
الزوجة :
حث الله تعالى الزوج على حسن معاشرة زوجته والرفق بها والحنو عليها , قال تعالى : } وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى
أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) { ]
النساء[ .
وقال سبحانه وتعالى: }وَأْمُرْ أَهْلَكَ
بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ
وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132){ ]طه[.
وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ؛ عن النبي (ﷺ), قال: }خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِى{. ]أخرجه ابن ماجة[.
4- الرفق مع
الاولاد :
الولد نعمة وهبة من الله تعالى يجب رعايته والعمل على حسن تربيته , قال
تعالى :} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ { ]التحريم[
وتربية الأولاد تحتاج إلى الرفق والحنو ,عَنْ شُعَيْبٍ ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ
اللهِ بْنِ عَمْروٍ ، . قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ (ﷺ) :} لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ
يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا{.] أخرجه أحمد و البُخَارِي الأدب
المفرد[
وعَنْ
وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: كُنْتُ
غُلاَمًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ (ﷺ) ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ
، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ (ﷺ): }يَا غُلاَمُ ، سَمِّ اللهَ ، وَكُلْ بيَمِينِكَ ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ{. . ]أخرجه
أحمد والدارِمِي والبُخَارِي ومسلم[
وعنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: أَبْصَرَ الأَقْرَعَُ بْنُ حَابِسٍ رَسُولَ اللهِ (ﷺ) وَهُوَ
يُقَبِّلُ
الْحَسَنَ
، أَوِ الْحُسَيْنَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، فَقَالَ : إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ
الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَطُّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ (ﷺ): }إِنَّهُ لاَ يُرْحَمُ
مَنْ لاَ يَرْحَمُ{.
]أخرجه ،أحمد، والبُخار ومسلم[
5- الرفق مع
الاقارب :
صلة الرحم طريق إلى السعادة في الدنيا والآخرة , فعَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ﷺ): }مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُزَادَ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ
وَالِدَيْهِ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ{. . ]مسند أحمد صحيح[.
وقطيعة الرحم لون من الإفساد في الأرض , قال تعالى :} فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ
تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ
(23){ ]محمد[
.
عن أنس-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله (ﷺ): } إن الرحم شُجْنةُ متمِسكة بالعرش تكلم بلسان ذُلَق ، اللهم صل من
وصلني واقطع من قطعني ، فيقول ـ تبارك وتعالى ـ : أنا الرحمن الرحيم ، و إني شققت
للرحم من اسمي ، فمن وصلها وصلته، ومن نكثها نكثه{ ]الحديث له اصل في البخاري –
الفتح والأدب المفرد ومجمع الزوائد واللفظ له وقال : رواه البزار وإسناده حسن
والترغيب والترهيب وقال إسناده حسن[.
6- الرفق مع
الحيوان :
وفي الإسلام يتعدى الرفق من الإنسان إلي الحيوان ، ولقد حكت لنا كتب
السنة قصة الرجل الذي رفق بكلب فسقاه من العطش فغفر الله له وادخله الجنة , وقصة
المرأة التي حبست هرة حتى ماتت فدخلت بسببها النار .وكل ذلك يؤكد عظمة هذا الدين
وأنه دين يعني بكل الجوانب الإنسانية لأن في ذلك سعادة الإنسان وأمنه.
وعن أبي الأشعث , عن شداد بن أوس , قال : ثنتان حفظتهما عن رسول الله (ﷺ), قال: }إن الله كتب الإحسان على كل شيء , فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة , وإذا ذبحتم
فأحسنوا الذبح , ليحد أحدكم شفرته , وليرح ذبيحته{.. ]أخرجه أحمد ومسلم و"أبو داود" و"ابن ماجة[
وأخرج
مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله (ﷺ) قال: } إن امرأة بغيا رأت كلبا ًفي يوم
حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها _أي استقت له بخفها _ فغفر
لها { فقد غفر الله لهذه البغي ذنوبها بسبب ما
فعلته من سقي هذا الكلب.
يقول رسول الله (ﷺ) على ما أخرجه البخاري ومسلم: }عذبت امرأة في هرة لم تطعمها ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض{
وروى
البخاري بسنده إلى أسماء بنت أبي بكر أن النبي (ﷺ) قال:}دنت مني النار حتى قلت: أي رب وأنا معهم، فإذا امرأة حسبت أنه قال: تخدشها
هرة _ : قال ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعا ً{
قال
النووي في شرح هذا الحديث عن مسلم: "إن المرأة كانت مسلمة وإنها دخلت النار
بسببها، وهذه المعصية ليست صغيرة بل صارت بإصرارها كبيرة".
وقد حرم الإسلام تعذيب الحيوان ولعن المخالفين على مخالفتهم، فقد روى مسلم بسنده
إلى ابن عباس أن النبي (ﷺ) مرّ على حمار قد وسم في وجهه فقال: "لعن الله الذي
وسمه" وفي رواية له: " نهى رسول الله (ﷺ) عن الضرب في الوجه وعن
الوسم في الوجه"، ورواه الطبراني بإسناد جيد مختصرا ً: "إن رسول الله (ﷺ) لعن من يسم في الوجه"
وروى
الطبراني أيضا ًعن جنادة بن جراد أحد بني غيلان بن جنادة قال: أتيت النبي (ﷺ) بإبل
قد وسمتها في أنفها، فقال رسول الله: "يا جنادة فما
وجدت عضوا تسمه إلا في الوجه أما إن أمامك القصاص" فقال: أمرك إليها
يا رسول الله (ﷺ).
وعن جابر بن عبد الله قال: مرّ حمار برسول الله (ﷺ) قد كوي وجهه يفور منخراه من
دم، فقال رسول الله (ﷺ): "لعن الله من فعل هذا"
ثم نهى عن الكي في الوجه والضرب في الوجه" رواه الترمذي مختصرا
ًوصححه، والأحاديث في النهي عن الكي في الوجه كثيرة. وقد حرمت الشريعة الإسلامية
تصبير البهائم أي أن تحبس لترمى حتى تموت كما حرمت المثلة وهي قطع أطراف الحيوان فقد روي عن ابن عمر أنه قال: "نهى النبي
صلى الله عليه وسلم عن أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل".
وأخرج
البخاري ومسلم عن المنهال بسنده إلى عبد الله بن عمر أنه قال: "لعن النبي (ﷺ) من مثّل بالحيوان"
قال العسقلاني في شرح صحيح البخاري وقال
العقيلي: "جاء في النهي عن صير البهيمة أحاديث جياد"، وقال ابن حجر (فتح
الباري): "وفي هذه الأحاديث تحريم تعذيب الحيوان" والتحريم يقتضي
العقاب.
وكل ذلك يؤكد أن الرفق في الإسلام خلق أصيل لا يتصف به إلا المؤمن الحق , ولا
يلتزم به إلا من عرف الإسلام معرفة الموقن بأنه الدين الذي جاء ليتمم مكارم
الأخلاق ويرفع من شأن القيم والفضائل.
العنصر الخامس : الآثار
المترتبة على عدم الرفق:
حرمان
الانسان كل الثواب والفضل الذي أخبر عنه النبي (ﷺ) وتقطعت العلاقات والأواصر وانعدمت المودة والرحمة في المجتمع وحرم المجتمع رحمة الله تعالي ( من لا يرحم لا يرحم )
1ـ تذهب اللين والرحمة والخشوع من القلب، وإنّ مجتمعًا
ينعدم اللين والرحمة بين أفراده لهو مجتمع شين، كما أن مجتمعًا لا خشوع في قلوب
أهله لهو مجتمعٌ محروم من كل خير.
2ـ تزيل النعم وتأتي بالنقم، وتؤدي إلى
الفرقة، وعدم التآلف، وذهاب الأخوة. 3ـ تكثر الضغناء والعداوة بين أفراد المجتمع، بل
بين المجتمعات.
4ـ تؤدي إلى كراهية الناس لصاحب هذا
المرض، والانصراف من حوله، والابتعاد عنه، يقول تعالى }وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (159){ ]آل
عمران[
5 ـ تقعد صاحبها عن الخير، وتصده عن الهداية،
وتغرقه في بحار الشهوات. 6ـ تعتبر قسوة القلب بوابة تفتح القلب لدخول
الأمراض فيه، وهجومها عليه
7 ـ
تعرض صاحبها لإغواء الشياطين ووقوعه فريسة لهم، يقول تعالى }وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا إلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ
وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(42) فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ
قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(43){ ] الأنعام[
8 ـ توقع صاحبها تحت تهديد المولى -عز وجل-
له بالعذاب الأليم في نار جهنم }فَوَيْلٌ
لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ (22) { ]الزمر[
9 ـ تُقرِّب قاسي القلب من زمرة اليهود،
وعصاة الأمم.. يقول تعالى لليهود}ثُمَّ قَسَتْ
قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (74){ [ ]البقرة[
النصر السادس : كيف
نتعلم الرفق :
إن حرارة الإيمان تستطيع أن تنضج القلوب فتلينها وترققها، فإذا غذاها
وقود العمل الصالح والإكثار من الذكر، ومراقبة عدل الله وفضله وسلطانه المهيمن على
جميع خلقه رقَّت القلوب وخشعت.. وكذلك المعرفة الحقة لله نعالي وذكر الله عزو جل
وتلاوة كتاب الله تعالي وتذكر الآخرة وزيارة المقابر والنظر والاعتبار في الكون
الفسيح والاحسان الي اليتامى ومتى وصلت
القلوب إلى
هذه المرحلة تدفقت منها الرحمة.
أما عند غياب هذه المعاني الإيمانية عن القلوب فإنها تتيه في ظلمات
الضلال والغواية والعصيان، فتقسو وتتكبر. وما أعظمها من عقوبة ،والعجب أن صاحب هذا
القلب لا يشعر بأنه معاقب. وما أشد هذه العقوبة وأعظمها، يقول مالك بن دينار: ما
ضُرب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من
قلوبهم.
العنصر السابع : صور
مضيئة من رفق النبي (ﷺ) :
الرفق
مع السائل: قال أنس: "كنت أمشي مع رسول الله
(ﷺ) وعليه
برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة
عاتق النبي (ﷺ) وقد أثَّرت بها حاشية الرداء من شدة
جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر
له بعطاء.
الرفق
في تعليم الجاهل: عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه
يقول:
"بينما أنا أصلي مع رسول الله (ﷺ) ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله.
فرماني القوم بأبصارهم، فقلت:
وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، ما شأنكم
تنظرون إليَّ. فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني، لكني
سكتُّ، فلما صلى النبي (ﷺ) ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن
تعليمًا منه، فو الله ما كهرني ولا ضربني، ولا شتمني، قال:
إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من
كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.
الرفق
في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
عن أَبي هريرة رضي الله عنه
قَالَ:
"بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي : (ﷺ)
}دعوه وأريقوا على بوله
سَجْلاً من ماء أو ذَنُوبًا من ماء؛ إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين{.
وحديث
الشاب الذي جاء يستأذن في الزنا ..والأمثلة كثيرة علي الرفق
الخاتمة:
فما
يبقي لنا إلا أن نراجع أنفسنا ونصحح أخطائنا ونحاسب أنفسنا ونعتذر لمن أخطأنا في
حقه وتعاملنا معه بالعنف من أجل الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم . والله
تعالي أعلي وأعلم
رابط pdf
https://top4top.io/downloadf-38420okuj1-pdf.html
رابط doc
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق