21 أكتوبر 2022
20 أكتوبر 2022
17 أكتوبر 2022
النضج العقلي
يمر الإنسان بمراحل متعاقبة، ولا يصل إلى مرحلة النضج العقلي إلا بعد الكثير من التجارب، فيكون جنينًا ثم طفلاً ثم شابًا ثم شيخًا، وكل مرحلة لها سمات وخصائص، وتأخذ مما قبلها وتؤهل لما بعدها.
وهكذا الأمر أيضًا في قُوى الإنسان الحسية والنفسية والعقلية.
فالعقل ليس خارج هذه المراحل، وذلك التحول والانتقال، فله مرحلة ميلاد، ثم طفولة، ثم فتوة، ثم شيخوخة.
غير أن هذه المراحل بالنسبة للعقل، ليست مرتبطة بالضرورة بمراحل الإنسان العمرية. بمعنى أننا قد نرى شابًا في عمره، لكن عقله مازال في مرحلة الطفولة، وربما لم يولد بعد! أو نراه قد بلغ نضجه كأتم ما يكون.
وهذا يرجع إلى أن نمو العقل لا يقترن بالضرورة بنمو الجسد، ويتأثر بظروف النشأة والبيئة، التي قد لا تساعد على النمو والنضج، بل قد لا تلتف أصلاً إلى حاجات العقل، بسبب انشغالها بحاجات الجسد!
و”العقل” الذي نقصده : هو تلك المَلَكة التي بها يميِّز الإنسان الحقَّ من الباطل، والخير من الشر، والنافع من الضار.
فهذا العقل، أو الملكة، تبدأ في النمو، وتنضج مع ما يكتسبه الإنسان من خبرات في الحياة، ومن معارف ومهارات، ثم تضعف شيئًا فشيئًا، حتى لا يستطيع المرء أن يتصور بعض المسائل، أو يحكم على بعض القضايا في دورة تشبه دورة الجسد، مثلما يصير الإنسان في شيخوخته خائر القوى كأنه طفل يحتاج إلى من يعتمد عليه في قضاء بعض شئونه! وقد صوّر القرآن الكريم هذه الحالة من التغير، في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (غافر: 67).
وقوله أيضًا: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (النحل: 70).
وبناءً على ذلك، يمكن أن نرى مرحلتين أساسيتين من مراحل تكوّن العقل، هما:
مرحلة “الطفولة العقلية”، ومرحلة “النضج العقلي”.
أولا : مرحلة الطفولة العقلية
ففي مرحلة “الطفولة العقلية” والتي ليست مرتبطة، على مستوى الفرد بطفولته العمرية، فقد نرى لها سمات معينة منها ....
1ـ التصور الساذج للأمور.
2 ـ الحكم بناء على الانطباعات لا الأدلة والشواهد.
3 ـ المسارعة إلى إبداء الرأي وعدم التأني.
4 ـ الاستهانة بالحقائق، المبالغة في التقدير.
5 ـ المزاجية في الخصام والصداقة.
إلى آخر تلك الصفات التي تدل على أن المرء لم يستكمل بناءه العقليَّ بعدُ، ولم يصل للنضج الفكري المأمول، ولم تتراكم لديه الخبرات والمهارات التي تجعله فاعلاً في الحياة، ومتزنًا في تصرفاته، وعلى قدر المسئولية والحدث.
ثانيا : سمات مرحلة النضج العقلي أو الرشد العقلي :
قد نلاحظ أن مرحلة النضج العقلي تتصف بعدة صفات منها :ـ
1 ـ الاعتبار بالتاريخ:ـ
أول ما تهمنا ملاحظته في علامات “النضج العقلي”، هو الاعتبار بالتاريخ، ذلك أن الإنسان ليس منفصلاً عن ماضيه، ولا يمكن أن يتشكل حاضره ومستقبله بمعزل عنه، والعاقل من استفاد من ماضيه، بما فيه من أخطاء ونجاحات، فيبني على النجاح ويتجنب الخطأ، وفي الحديث الشريف: “لا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ مرتين” (متفق عليه).
أما من لم يصل للنضج، فإنه قد يكرر الخطأ ذاته لمرات ومرات!
ولا يستفيد من ماضيه، وبالتالي لا يحسن في حاضره ولا في مستقبله: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} (التوبة: 126).
2 ـ الاحتكام إلى الأدلة والشواهد:ـ
العاقل من يبني أحكامه وتصوراته على أدلة قاطعة، أو شواهد متكررة، فلا ينطلق من الظن- وإن كان لا يتجاهله تمامًا- ولا يجري وراء الأوهام تاركًا الحقائق، أو ينساق خلف انطباعاته ومزاجيته.
لأن عدم الاحتكام إلى الأدلة الواضحة، يوقع المرء في التجاوز بحق الآخرين، فيسيء الظن بهم، أو يستحل أموالهم، أو يعتدي على خصوصياتهم..
وقد يأخذ أحدهم مسارًا، أو يُصدر حكمًا، فإذا سألته عن حيثيات حكمه، وجدت ظنًّا أو وهمًا أو انطباعًا، ولم تجد دليلاً محققًا، أو حتى قرائن متعددة!
وقد عاب القرآن الكريم على الكافرين قولهم في الملائكة بغير علم، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (النجم: 27، 28).
وكم أفسد غياب الدليل من علاقات، وأوقع الناس في مشكلات، وجعل الأوهامَ تحل محل الحقائق، والخطواتِ تتجه إلى غير الوجهة الصحيحة!
3 ـ عدم المبالغة في التقدير :ـ
إذا ذهب الإنسان بعيدًا عن الدليل، فإنه يفتقد المعيار الذي يَزِنُ به الأمور، ويضعها في نصابها الصحيح، ولهذا فإنه يبالغ في التقدير، ويكون رهنًا لحالته النفسية، أو العوامل المحيطة به، ولا ينطلق من الحقائق، التي تتيح له رؤية منضبطة.
بينما “النضج العقلي” يجعل صاحبه يحتاط في الحكم، ويقدِّر كل أمر بما يناسبه، آخِذًا في الاعتبار كل عامل من العوامل، مع مراعاة وزنه النسبي، بحيث لا يأخذ عاملٌ أكبر ولا أصغر مما يستحق.
وهذا الأمر مهم جدًّا إذا أردنا تحليل حالة تراجع الأمة الإسلامية، فهل هذه الحالة ترجع لعامل واحد فقط، أم لعدة لعوامل؟
4 ـ عدم الاستهانة بالأمور :ـ
خاصة عند النظر في التحديات، أو الأعداء! فالعاقل لا يستهين بأمر، ولا يستخف بالخصم، وإنما يقدّر الأمور بأوزانها من غير تهوين ولا تهويل، بل يحتاط دون إحجام أو تردد، حتى يكون على بصيرة من نفسه، ومما يواجهه، ولا يغريه ما يجد من نفسه من قوة، عما يملكه الآخرون أيضًا من قوة!
إن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المؤيَّد من الله تعالى، لم يستهن بالأعداء حين واجههم، وإنما أخذ بالأسباب، وبذل غاية الوسع، فأرسل العيون، وضلّل متعقِّبيه في الهجرة، وغيَّر منزله في بدر، وحَفَرَ الخندق، كل ذلك، انطلاقًا من تقدير قوة الخصم وعدم الاستهانة بها. وللأسف، قد يظن البعض أن الاستهانة بالخصم علامة على الثقة بالنفس، بينما هي في الحقيقة علامة على خداع النفس! وعلى الجهل بما لدى الآخرين من قوة ربما تفوق ما يملكه هذا المستهين!
5 ـ الاعتراف بالأخطاء :ـ
الخطأ من طبيعة الإنسان، فردًا أو مجتمعًا، فالكمال لله تعالى وحده، والعصمة لأنبيائه ورسله، لكن العاقل من يبادر بالتوبة، ويعترف بالتقصير، ويسارع في التصحيح، أما غير العاقل فيتمادى في الخطأ، بل يكابر أنْ لا خطأ، مما يراكم النتائج السلبية، ويزيد الطين بلّة قال تعالى : {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} (النساء: 64).
إن الرجوع للحق لم يكن أبدًا مَنقصة، إلا عند من لم يتحقق لديهم النضج العقلي، فيفضّلون التمادي في الخطأ على الاعتراف بالتقصير والعودة إلى الحق!
يهربون من اللوم إلى مزيد من الأخطاء!
6 ـ الاستعداد للمستقبل :ـ
لا ينبغي أن ينشغل الإنسان بحاضره ويغفل عن مستقبله، بل عليه أن يمدّ البصر خارج حدود الزمان والمكان، فهذا أدعى للرؤية الثاقبة، والخطوات الراشدة. وكلما كان المستقبل حاضرًا في التفكير والتخطيط، كانت الرؤية أوضح، والأرض أثبت، والأخطاء أقل.
إن غير العاقل هو من يحيا يومه باستغراق، وينهمك في لحظته بذوبان، حتى ليفضّل المعصية على الطاعة، والدنيا على الآخرة، ولسانُ حاله إن لم يكن لسان مقاله أيضًا: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} (المؤمنون: 37)!!
أما صاحب العقل الناضج فيعيش يومه غيرَ غافلٍ عن غده، ويَسعد بلحظته غير مُستغرَق فيها، ويتزوّد للآتي من بعيد، فلا يفاجَأ بما لم يكن في الحسبان، ولا يُؤخَذ بما لم يستعد له! هذه أهم صفات أو علامات مرحلة “النضج العقلي”، التي ينبغي أن نسعى في تحصيلها، على مستوى الفرد والمجتمع.
14 أكتوبر 2022
7 أكتوبر 2022
سال دمعي الشيخ نصر الدين طوبار
26 سبتمبر 2022
مصيبة موت العلماء!
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن أهل العلم العاملين، والعلماء المخلصين في سماء العلم نجومها، وفي الأرض هداتها وحداتها، يُخرجون الناس -بفضل الله ثمّ- بنور علمهم من الظلمات إلى النور، ويأخذون بأيديهم إلى سبيل الحق وطريق الفوز والسرور، ويرشدونهم -بإذن الله- إلى مرضاة العزيز الغفور، وهم الموقِّعون عن الله وعن الرسول، فالله -عز وجل- جعل النجوم في السماء معالم للمسافرين والسائرين (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) (النحل:16)، وجعل نجوم الأرض -وهم العلماء- معالم الطريق للسالكين والحيارى والتائهين (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (الأنبياء:73)، فهم حقًّا مصابيح الدجى، ونجوم الهدى، يقمعون أهل الغواية والضالين، وأصحاب الهوى، فهم ربان السفين، وحماة الدين، يرشدون التائهين والحائرين، وينيرون الدروب للسالكين، فبهم تصفو الحياة، وتزكو النفوس.
قال الإمام أحمد -رحمه الله- في وصفهم: "يدعون مَن ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم مِن قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم مِن ضال تائه قد هدوه".
قال ابن القيم -رحمه الله- عنهم: "هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض من طاعة الآباء والأمهات بنص الكتاب".
فحُق أن يوصفوا بأفضل الأوصاف وأعلاها، وأعظمها وأزكاها؛ كيف لا وهم الذين أخبر عنهم -صلى الله عليه وسلم- أنهم: "ورثة الأنبياء" وكفى بها منقبة، بل حسبهم مديح الله لهم في الكتاب، حيث قال عنهم الملك الوهاب: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:11).
إن احترام علماء الأمة، وتقديرهم وإجلالهم، ونصرتهم وموالاتهم -أحياءً وأمواتًا- عقيدة يعتقدها أهل الحق، ودين يتعبدون به لله رب العالمين، فعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ) (رواه أحمد والحاكم، وحسنه الألباني).
قال السعدي -رحمه الله-: "مِن عقيدة أهل السُّنة والجماعة: أنهم يدينون الله باحترام العلماء الهداة، أي: يتقربون إلى الله -تعالى- بتوقير العلماء، وتعظيم حُرمتهم".
وكان الإمام أحمد -رحمه الله- كثير الدعاء للشافعي -رحمه الله-، فسأله ابنه عبد الله: يا أبتِ، أي شيء كان الشافعي، فإني أسمعك تكثر الدعاء له؟ فأجاب رحمه الله: "يا بنيّ، كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف، أو منهما عوض".
إن بقاء العلماء نعمةٌ من الله ورحمة، وذهابهم مصيبة تصيب الأرض وأهلها، ونقمة وثُلمة في الدِّين لا يسد شيء مسدها، بل إن مِن أعظم الرزايا التي تُرْزَأ بها الأمة الإسلامية ذهاب أهل العلم الربانيين، فبموت العلماء والدعاة وفقدهم تكمن المصيبة، وتعظم الرزية، وتخرب الدنيا، حين لا يجد الناس علماء ربانيين عاملين، فيبرز حينئذٍ أهل الجهالة والضلالة، ومَن يدعي العلم وليس من أهله، فحقّ للأرض أن تتصدع، وللسماء أن تحزن، وللأمة أن تبكي على موت العالم.
قال الآجري -رحمه الله-: "فما ظنكم -رحمكم الله- بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس، لا بد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح، فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟ هكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، ولا كيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبده به خلقه إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحيَّر الناس، ودرس العلم بموتهم وظهر الجهل".
قال عمر -رضي الله عنه-: "موت ألف عابد أهون من موت عالمٍ بصير بحلال الله وحرامه".
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "ووجه قول عمر: أن هذا العالِم يهدم على إبليس كل ما يبنيه بعلمه وإرشاده، وأما العابد؛ فنفعه مقصور على نفسه" (مفتاح دار السعادة).
قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "أتدرون كيف ينقص الإسلام؟ يكون في القبيلة عالمان، فيموت أحدهما فيذهب نصف العلم، ويموت الآخر فيذهب علمهم كله"، وقال -رضي الله عنه-: "موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار".
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أتدرون ما ذهاب العلم"؟ قلنا: لا، قال: "ذهاب العلماء، ولا يزال عالمٌ يموت، وأثر للحق يُدرس، حتى يكثر أهل الجهل، وقد ذهب أهل العلم، فيعملون بالجهل، ويدينون بغير الحق، ويضلون عن سواء السبيل".
وقال الحسن -رحمه الله-: "كانوا يقولون: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار".
وقيل لسعيد بن جبير -رحمه الله-: ما علامة هلاك الناس؟ قال: "إذا هلك علماؤهم".
وتصديق ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) (متفق عليه).
قال النووي -رحمه الله-: "هذا الحديث يبيِّن أن المراد بقبض العلم ليس هو محوه في صدور حفاظه، ولكن معناه: أن يموت حملته، ويتخذ الناس جهالًا يحكمون بجهالتهم؛ فيضلون ويضلون" (شرح النووي على مسلم).
وقال ابن حجر -رحمه الله-: "فدل هذا على أن ذهاب العلم يكون بذهاب العلماء" (فتح الباري).
فأكبر حرمان للأمة أن تفقد علماءها وأهل الفكر والرأي، والحكمة والفقه، والبصيرة، فهم كنوزها الإستراتيجية المذخورة؛ فيتركون في بنيانها ثلمًا لا تسد ولا تعوض، فإذا كانت الجبال أسبابًا يحفظ الله بها الأرض، قال -تعالى-: (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) (النبأ:7)، وقال -تعالى-: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) (النحل:15)، فأهل العلم -كذلك- يحفظ الله بهم الأرض، وقد ذكر المفسرون في قوله -تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) (الرعد:41)، أن نقصان الأرض بموت العلماء. قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في رواية: "خرابها بموت فقهائها، وعلمائها، وأهل الخير منها"، وكذا قال مجاهد: "هو موت العلماء" (تفسير ابن كثير).
وعن مجاهد -رحمه الله- أنه قال: "ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض، فقيل له: أتبكي الأرض؟ فقال: تعجب؟َ وما للأرض لا تبكي على عبدٍ كان يعمرها بالركوع والسجود؟، وما للسماء لا تبكي على عبدٍ كان تكبيره وتسبيحه فيها كدويّ النحل!".
وعن سعيد بن زيد -رضي الله عنه- أنه بكى عند موت عمر -رضي الله عنه-، فقيل: "ما يبكيك؟ فقال: على الإسلام أبكي؛ إنه بموت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا ترتق إلى يوم القيامة" (الطبقات لابن سعد).
وفي الطبقات -كذلك- عن زيد بن وهب -رحمه الله- قال: "أتينا عبد الله بن مسعود، فذكر عمر فبكى حتى ابتل الحصي من دموعه، وقال: إن عمر كان حصنًا حصينًا للإسلام، يدخل الإسلام فيه ولا يخرج منه، فلما مات أثلم الحصن، فإذا الناس يخرجون عن الإسلام ولا يدخلون فيه".
قال ابن القيم -رحمه الله-: "لما كان صلاح الوجود بالعلماء، ولولاهم كان الناس كالبهائم، بل أسوأ حالًا كان موت العالم مصيبة لا يجبرها إلا خلف غيره له" (مفتاح دار السعادة).
وجاء في "مجمع الزوائد" عن سعيد بن المسيب قال: "شهدت جنازة زيد بن ثابت، فلما دفن في قبره قال ابن عباس: يا هؤلاء من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم، وايم الله لقد ذهب اليوم علم كثير" (رواه الطبراني).
وقال كعب -رحمه الله-: "عليكم بالعلم قبل أن يذهب، فإن ذهاب العلم موت أهله، موت العالم نجم طمس، موت العالم كسر لا يجبر، وثلمة لا تسد، بأبي وأمي العلماء -أحسبه قال- قبلتي إذا لقيتهم، وضالتي إذا لم ألقهم، لا خير في الناس إلا بهم" (أخلاق العلماء للآجري).
فثلمة موت العلماء لا تسد، والمصيبة بفقدهم لا تُحد، والفجيعة بموتهم نازلة لا تنسى، وفاجعة لا تمحى، والخطب بفقدهم جلل، والخسارة فادحة، فموت العالم ليس موت شخص واحد، ولكنه بنيان قوم يتهدم، وحضارة أمة تتهاوى.
وقد كان السلف -رحمهم الله- يأسون أشد الأسى لفقد عالم من العلماء، قال أيوب -رحمه الله-: "إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي"، وقال يحيى بن جعفر: "لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل -أي: البخاري- من عمري لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموته ذهاب العلم".
ومع شدة حزننا، وتألمنا لموت عالم من العلماء؛ إلا أنه يلزمنا أن نعلم أنه ليس معنى موت واحد من العلماء، ضياع الأمة، وتوقف مسيرة الدعوة، ففيما بقي من أهل العلم خير كثير، والأمة زاخرة بالكفاءات العلمية، مليئة بالرجال المخلصين الذين يحملون مشعل الهداية -والحمد لله رب العالمين-؛ فلا ينبغي أن يخور العزم، وأن يضعف العطاء، فراية العلم والدعوة محفوظة -بإذن الله- ما دام الكتاب والسنة محفوظين، ولا يخلو زمان من قائم لله بحجة.
فكم مات من عالم! وكم دُفن من إمام!
بل قد مات النبي -صلى الله عليه وسلم- ودين الله باقٍ، وأعلامه باقية بعده مرفوعة على يد أتباعه من علماء الأمة وورثة الأنبياء (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران:144)؛ فهذه الأمة لا تموت بموت رجالها، بل إن الله يهيئ لها ممَن يخلفهم ما يجدد به ذكرهم، ويواصل به مسيرتهم، ويرفع به رايتهم، إلى ما شاء الله.
ولا يزال الله يغرس في هذه الأمة مَن يبصرها بأمر دينها، وينفي عن الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، قال حمَّاد بن زيد: "حضرت أيُّوب السختياني وهو يغسِّل أحد أصحابه، وهو يقول: "إن الذين يتمنون موت أهل السنة (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32)".
ولذا يلزمنا أن نسمو بهممنا، وأن ننهض بمهماتنا، في نصرة دين الله -عز وجل-، بالإقبال على تحصيل العلم الشرعي، والتفقه في الدين، ثم القيام بالدعوة لهذا الدين على علم وبصيرة، يأخذ اللاحق راية الحق من السابق، ويجتهد أن تبقى مرفوعة ما كان فيه عين تطرف، وقلب ينبض، إلى أن يسلمها لمن بعده، فتستمر مسيرة العطاء والعمل لهذا الدين؛ كالشجرة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، قال ابن مسعود: "عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه هلاك العلماء، والذي نفسي بيده ليودن رجال قتلوا في سبيل الله أن يبعثهم الله علماء؛ لما يرون من كرامتهم" (مفتاح دار السعادة).
قال النووي -رحمه الله-: "تعلموا العلم من أهله المحققين الورعين قبل ذهابهم، ومجيء قوم يتكلمون في العلم بمثل نفوسهم وظنونهم التي ليس لها مستند شرعي" (المجموع).
اللهم ارحم علماءنا ومشايخنا رحمة واسعة، واجعل أنوارهم على الدوام ساطعة، وذكرهم وذكراهم نافعة،
اللهم مَن أحييته منهم فبارك في عمره وعلمه وسعيه، وسدده ووفقه وثبته، ومَن مات منهم فتغمده بالرحمة والغفران، والروح والريحان، والرضا والرضوان، وأعل مقامه في الجنان، وتقبله في الصالحين، واحشره مع الشهداء والنبيين.

