الحمد لله العليم القدير، يعطي من يشاء بفضله ،ويمنع من يشاء بعدله، يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لحكمة ، قال تعالى}وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ (27){]الشورى[
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير ..يختبر عباده بالسراء والضراء ليعلم الشاكر من الجاحد قال تعالى } وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ(35) {] الأنبياء[ .
وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله (ﷺ( بين كيف يتعامل المسلم مع الابتلاء سواء بالخير أو بالشر فقال (ﷺ( }عجبًا لأمر المؤمن، إن
أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن
أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له{ ]رواه مسلم[
فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم
تسليما كثيرا إلي يوم الدين
أما بعد..
فإن السنة النبوية المطهرة تزخر بالقصص التربوية العظيمة التي صاغها النبي (ﷺ)
بأسلوبه البليغ لتكون منهاج حياة ومدرسة للأجيال.
ومن أعظم هذه القصص وأكثرها تأثيراً في النفوس؛ قصة (الثلاثة من بني
إسرائيل) "الأبرص والأقرع والأعمى"
إنها ليست مجرد حكاية تاريخية تُروى للتسلية، بل هي مشهد حي لابتلاء الله
لعباده بالنعم؛ فبينما يرى الكثيرون أن الابتلاء لا يكون إلا بالشر فقط ، فتأتي
هذه القصة لتؤكد أن الابتلاء بالخير قد يكون أشد خطراً وأعظم اختباراً لنقاء
النفوس ومعادن الرجال من الابتلاء بالشر .
فحديثنا عن قصة الثلاثة من بني اسرائيل
(الأبرص والأقرع والأعمى) من خلال هذه العناصر الرئيسية التالية ...
1ـ حقيقة الابتلاء.
2ـ الحكمة من الابتلاء.
3ـ متن القصة.
4ـ الدروس والعبر المستفادة من القصة.
5ـ الخاتمة.
6ـ استبيان لقياس الأثر التربوي والسلوكي من
القصة.
العنصر الأول: حقيقة الابتلاء:
الابتلاء: هو
الاختبار والامتحان للإنسان في الشدة والرخاء، ويكون بالخير والشر ، فالدنيا ليست
دار جزاء بل هي قاعة امتحان كبيرة.
ولقد جعل الله سبحانه وتعالى الابتلاء في الدنيا بما فيها
سنة ماضية في الأمم والأفراد والشعوب وجعل الآخرة للجزاء، قال تعالى }إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7{ ( ]الكهف[
وقال تعالي } فَلَنْ تَجِدَ
لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (42)){ فاطر)
العنصر الثاني : الحكمة الإلهية من هذا الابتلاء:
الابتلاء سنة إلهية ثابتة واختبار رباني
شامل لكل إنسان في الحياة الدنيا، بهدف تمحيص العباد وإظهار حقيقة إيمانهم، ولقد قضت سنة الله في
الابتلاء أنه يمتحن عباده بالشر والخير أي يختبرهم بما يصيبهم مما يثقل عليهم
كالمرض والفقر والمصائب المختلفة كما يخبرهم بما ينعم عليهم من النعمة المختلفة التي تجعل حياتهم في رفاهية
ورخاء وسعة العيش كالصحة والغنى ونحو ذلك ، ليتبين بهذا الامتحان من يصبر
في حال الشدّة ومن يشكر في حال الرخاء والنعمة ،قال تعالى } كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا
تُرْجَعُونَ (35{( ]الأنبياء[
إذاً الهدف من الابتلاء بالخير معرفة هل يشكر العبد ربه ويعترف بفضله، أم
يطغى وينسب الفضل لنفسه.
والهدف من
الابتلاء بالشر
: اختبار صبر العبد، ولجوئه إلى الله، وعدم قنوطه من رحمته.
وأيضا الهدف من الابتلاء : تمييز الصادق
في إيمانه من المدعي.
ورفع الدرجات وتكفير السيئات وزيادة
الحسنات للمؤمن الصابر.
وإيقاظ العبد من غفلته ليعود إلى طريق
ربه.
وإعداد البشر للمرحلة النهائية وهي الحساب
والرجوع إلى الله.
الهدف الأساسي من
القصة: اختبار عبادة الشكر
العنصر الثالث: متن القصــة:
وردت هذه في صحيح
البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر
للصحابة قصة حدثت في بني إسرائيل فقال:}
إن ثلاثة من بني
إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، أراد الله أن يبتليهم؛ فأرسل
إليهم ملكاً.
اختبار الأبرص:
فأتى الملك الأبرص
أبرص يعني: مريض بمرض البرص- فقال له
الملك: أي شيء أحب
إليك؟ قال له: أحب شيء إليّ لون حسن، وجلد حسن، وأن يذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس
يعني: يذهب هذا البلاء عني فمسحه أي:
الملك- فأعطي لوناً حسناً، وجلداً حسناً الملك مسح لكن الذي أعطى هو الله جل وعلا-
ثم قال له الملك: أي شيء من المال أحب إليك؟
قال: الإبل، فأعطاه
الملك ناقة عشراء، وقال له: بارك الله لك فيها، ثم انصرف.
اختبار الأقرع:
ثم أتى الملك الأقرع
وقال له: أي شيء أحب إليك؟
قال له: شعر حسن، ولون حسن، ويذهب عني هذا الذي
قذرني الناس، فمسحه -أي: الملك- فأعطي شعراً حسناً، ولوناً حسناً، ثم قال له: أي
الأموال أحب إليك؟
قال: البقر، فأعطاه
الملك بقرة حاملاً وقال: بارك الله لك فيها، ثم انصرف.
اختبار الأعمى:
ثم أتى الملك الأعمى
وقال له: أي شيء أحب إليك؟
قال: أن يرد الله إليّ
بصري فأبصر الناس، فمسحه الملك فرد الله إليه بصره، قال: أي شيء من المال أحب
إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه الملك شاة والداً، وقال: بارك الله لك فيها.
فأنتج هذان، وولد هذا،
فأصبح لهذا واد من الإبل، وأصبح لهذا -أي: الثاني واد من البقر، وأصبح لهذا أي:
الثالث واد من الغنم ما شاء الله! الأموال كثرت، وبورك فيها-.
نتيجة اختبار الأبرص:
فأتى الملك الرجل
الأول في صورته التي كان عليها من قبل -يعني: بصورة رجل أبرص مسكين فقير وقال له:
مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال أي: الأسباب- في سفري، ولا بلاغ لي اليوم إلا
بالله ثم بك، فأسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال؛ بعيراً أتبلغ
به في سفري، قال له: الحقوق كثيرة، فقال له الملك: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى
ما كنت .
نتيجة اختبار الأقرع:
فأتى الملك الرجل
الثاني، وقال: مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، ولا بلاغ لي اليوم إلا
بالله ثم بك، فأسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والشعر الحسن، والمال؛ بقرة واحدة
أتبلغ بها في سفري، فقال له كما قال الأول، قال الملك: إن كنت كاذباً فصيرك الله
إلى ما كنت.
نتيجة اختبار الأعمى:
ثم أتى الملك الرجل
الثالث وقال: مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، ولا بلاغ لي اليوم إلا
بالله ثم بك، فأسألك بالله الذي رد عليك بصرك وأعطاك المال؛ شاة واحدة أتبلغ بها
في سفري، فقال: لقد كنت أعمى فرد الله علي بصري، وكنت فقيراً فأغناني الله، فخذ ما
شئت، ودع ما شئت، فوالله لا
أجهدك اليوم في شيء
أخذته لله عز وجل، فقال الملك: أمسك عليك مالك، فإنما
ابتليتم، فقد رضي الله
عنك، وسخط على صاحبيك{
العنصر الرابع: الدروس والعبر المستفادة من القصة:
1ـ بالشكر تدوم النعم:
الشكر يحفظ النعمة ويجلب الزيادة، بينما
الجحود والنكران يزيلانها.
فاعتراف الأعمى بفضل الله وكرمه كان سبباً
في بقاء نعمته ورضا الله عنه
2ـ الجحود سبب
الزوال:
إنكار فضل الله ونسبة الفضل للنفس أو
للوراثة مع جحد حق المحتاج يورث سخط الله فإنكار
الأبرص والأقرع لأصل النعمة ونسبتها لجهدهما أو إرثهما أدى إلى سخط الله وعودتهما
للفقر، وهذه عاقبة الكذب والكبر.
3ـ فضل الصدقة، وإعانة المحتاج:
الصدقة تنمي المال ولا تنقصه، وصاحبها
موعود بالخلف والبركة كما في دعاء الملَك كل صباح.
4ـ عاقبة الكذب
شؤم:
ادعاء الأبرص والأقرع بالوراثة كذباً قادهما
للهلاك.
5ـ قدرة الله :
ابتلاء العباد يكون بالسراء والضراء، ولله
الحكمة البالغة في اختبار صدق القلوب.
6ـ تذكر الماضي
والاعتبار به:
من توفيق الله للعبد أن يتذكر ماضيه قبل الغنى والصحة، ليظل متواضعاً ومقدراً للنعم.
الخاتمـــــة....
في ختام هذا الإبحار التربوي في رحاب واحدة من أبلغ القصص النبوية،
ندرك يقيناً أن قصة (الأبرص والأقرع
والأعمى) ما هي إلا مرآة تعكس واقعنا اليومي مع نعم الله التي لا تُعد ولا تُحصى.
ليكن مسلك "الأعمى" رضي الله
عنه وأرضاه هو منارنا في التعامل مع
العطايا الإلهية، حيث تجلى في موقفه الصدق، والتواضع، والسخاء المطلق، فنال رضا
الله وبركة المال.
ولنحذر كل الحذر من مسلك "الأبرص
والأقرع" الذي أوردهما المهالك وعاد بهما إلى قاع الفقر والندامة بعد إذ كذبا
وجحدا.
===========================
استبيان لقياس الأثر
التربوي
أولا: أسئلة حول
أحداث القصة (اختر الإجابة الصحيحة)
1ـ ما هو الاختبار الحقيقي الذي تعرض له
الرجال الثلاثة في القصة؟
(
) الابتلاء بالمرض والفقر فقط.
(
) الابتلاء بالصحة والغنى والمال.
(
) الاختبار في الحالتين (الفقر والمرض ثم الغنى والصحة).
2ـ ما الحجة التي اعتذر بها الأبرص
والأقرع للملك لمنع الصدقة وحرمان السائل؟
(
) أن الحقوق كثيرة والمال لا يكفي لحاجتهم وحاجة عيالهم..
(
) أنهم ورثوا هذا المال كابراً عن كابر وليس لله منة فيه.
(
) أن السائل لا يستحق المساعدة لأنه سليم معافى.
3ـ كيف كان رد فعل الأعمى عندما أتاه
الملك في صورته الأولى؟
(
) اعتذر منه وطلب منه المجيء في وقت آخر.
(
) اعترف بنعمة الله وقال: "خذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء
أخذته لله".
(
) أنكر أنه كان أعمى في الماضي، وقال: "إنما أوتيت هذا المال على علم
وعمل واجتهاد مني".
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ثانيا: قياس الأثر
التربوي والسلوكي (وافق أو لا توافق)
4ـ "النجاح في ابتلاء السراء
(الغنى والصحة) أصعب من النجاح في ابتلاء الضراء (المرض والفقر)".
(
) موافق بشدة.
(
) موافق.
(
) غير موافق.
5ـ بعد قراءتي للقصة، شعرت بأهمية
مراجعة نفسي وتذكر نعم الله القديمة عليّ.
(
) نعم، بشكل كبير.
(
) إلى حدٍ ما.
(
) لا.
6ـ هل ترى أن ادعاء الإنسان بأن نجاحه
المالي أو الدراسي هو "بسبب ذكائه وجهده فقط" يشبه موقف الأبرص والأقرع؟
(
) نعم، لأن فيه جحود لفضل الله وتوفيقه أولاً.
(
) لا، السعي والذكاء هما السبب الوحيد للنجاح.
(
) غير متأكد.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ثالثا: أسئلة
مقالية قصيرة
7ـ اذكر عاقبة كل من جحود النعمة
وشكرها كما فهمت من نهاية القصة؟
..........................................................................................................................................
8ـ كيف يمكنك تطبيق درس "موقف
الأعمى" في حياتك اليومية عند التعامل مع المحتاجين؟
..........................................................................................................................................
.jpeg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق