5 سبتمبر 2019

الهجرة ميلاد أمة وبناء دولة



الحمد لله رب العالمين .. فضل الهجرة والمهاجرين ورفع درجتهم فقال تعالي {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)} [التوبة].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يؤيد أوليائه ويدافع عنهم فقال تعالي {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)}[الحج] .
وأشهد أن سيدنا محمد رسول  الله () أخذ بالأسباب واثقا في تأييد الله سبحانه وتعالي له يتضح ذلك من قوله () لصاحبة في الغار {يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا }
فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلي يوم الدين ..
أما بعـد .. فيا أيها المؤمنون ..
إن للأمة الإسلامية أحداثاً و ذكريات لها أعظم الأثر في حياتها، تنعم بخيرها و تسعد بتذكرها،
وتترك آثارها الصالحة عند من يفهم الغرض منها، و قد سجل لنا التاريخ هذه الأحداث ؛ لنتعلم منها و نعتبر بها، إذ أن تاريخ الأمة هو ذاكرتها الحية، مستودع تجاربها ومعارفها، فعلى المسلمين أن يذكروا تاريخهم الحافل، و يعوه جيدا و لا ينسوه، و إلا دفعوا ثمن نسيانهم من استقرارهم ومكانتهم.
من هذه المناسبات الهجرة المباركة حيث أنها لم تكن الهجرة فرارا من المحنة، أو مجرد انتقال مكاني، وإنما كانت فاتحة العمل الجاد المتواصل لتغيير الأرض، و تحويل مجرى التاريخ، ووضع أسس البناء الإسلامي الشامخ ؛ ولذلك كانت أكبر أحداث التاريخ البشرى بلا مبالغة، بل أعظم هجرة في تاريخ النبوات جميعا من حيث النتائج والآثار، ومن حيث التفاعلات التي تولدت عنها، والأحداث التي تعاقبت بعدها، وترتبت عليها، وبذلك كان يوم بدر و فتح مكة و ما تبعه،
وتطهير الجزيرة العربية من أرجاس اليهود والشرك، و إسلام العرب، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وتقويض ممالك الفرس و الروم، ووصول الإسلام إلى الصين شرقا والأندلس غربا ؛ كل هذا وأكثر منه سيظل مديناً بقدرٍ كبير لهذه الهجرة النبوية المباركة.
لقد كانت الهجرة ميلاد لأمة الإسلام وبعث حضاري جديد للأمة ولذلك كان حديثنا عن [الهجرة ميلاد أمة وبناء دولة ] وذلك من خلال هذه العناصر الرئيسية التالية ..
1ـ الهجرة معلم بارز للأمة .
2ـ الهجرة وخوارق العادات .
3ـ الأهداف الأساسية للهجرة المباركة .
4ـ التخطيط البشري لإقامة الدولة .
5ـ أسس ودعائم الدولة .
6ـ الخاتمة .
=================
العنصر الأول :ـ الهجرة معلم بارز للأمة :ــ
لأهمية حدث الهجرة المباركة ومكانتها بين الأحداث الإسلامية أرخ المسلمون بالهجرة كمعلمٍ
بارز في تاريخ الدعوة ؛ولما للهجرة من آثار على انتصار الدعوة و ظهورها ولأنه بالهجرة
ولدت دولة الإسلام.
- وذكروا في سبب عمل عمر رضي الله عنه التأريخ بالهجرة " أن أبا موسى كتب إلى عمر : أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم : أرخ بالمبعث، و بعضهم قال : أرخ بالهجرة، فقال عمر : الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها، و ذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا، قال بعضهم : ابدؤوا برمضان فقال عمر : بل بالمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم، فاتفقوا عليه ".
ومما يروى أيضاً :أنهم أعرضوا عن التأريخ بمولده و مبعثه  وومماته صلى الله عليه وسلم لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة، وأما الوفاة فأعرضوا عنه لما توقع بذكره من الأسف عليه صلى الله عليه و سلم.
لقد كان عمر رضي الله عنه ومن معه يحرصون كل الحرص على ألا تذوب شخصية هذه الأمة في شخصية غيرها من الأمم، إذا لم يرضوا أن يكونوا في تاريخهم تبعاً لأمة من الأمم، بل كانوا مبدعين في كل شيء، ليسوا إمعات ، ولا ببغاوات، يستوردن فكرهم و ثقافتهم و تاريخهم من غيرهم.
- لقد تجلى فقه الصحابة رضوان الله عليهم، في هذه الموازنة الفذة بين الأحداث، ثم اختيار الهجرة بذاتها لتكون عنواناً ،ورمزاً للتاريخ الإسلامي، إذ أنهم اعتبروا الهجرة بداية وجودهم الحقيقي في هذه الحياة، لقد كان هذا العمل منهم فهماً عميقاً لرسالتهم، لأن الهجرة كانت عملاً غير الله به وجه التاريخ الإنساني بعد أن مال ميلاً عظيماَ، و دفع به إلى وجهته الصحيحة مستقيماً غير ذي عوج، لقد أذن الله تعالى  بهذه الهجرة أن تقوم في المدينة دولة الإسلام، فحمت المؤمنين من عربدة الجاهلية و حققت حكم القرآن في واقع الحياة، وجعلت الإسلام حقيقة بارزة ترى و تسمع في الأرض، و أقامت المجتمع الإسلامي نموذجاً متفرداً بين الأمم جميعاً، وغدت قاعدة الإسلام و داره التي يأوي إليها المعذبون في الأرض، فيجدون الأمن و الإيمان، ويتعلمون الدين و يتزودون بالفضائل والأخلاق، ثم يخرجون إلى أطراف الأرض دعاة وهداة.
العنصر الثاني :ــ الهجرة وخوارق العادات :ــ
قد يسأل سائل لماذا لم تقم الهجرة علي المعجزة الربانية مثلما حدث في رحلتي الإسراء والمعراج يأتيه البراق ويذهب به إلي المكان الذي يريده ؟
لا بد أن نحدد الفرق بين الهجرة والإسراء والمعراج : الإسراء والمعراج كانت معجزة الهدف منها التسرية والتسلية لقلب النبي () وخاصة بعد الأحداث العظيمة التي حدث في عام الحزن من شدة تعذيب وفقدان زوجه خديجة رضي الله عنها وعمه أبي طالب .
أما الهجرة المباركة كان من الممكن أن يهاجر النبي () وأصحابه الكرام بكلمة كن ولكن لم يحدث لأن الهدف من الهجرة هو تأسيس دولة الإسلام والإبقاء علي الإسلام فتأسيس دولة الإسلام لا يقوم علي المعجزات ولا خوارق العادات ، فلا بد من بذل الجهد البشري القائم علي التخطيط والأخذ بالأسباب ولكي يتعلم الناس هذه السنة الكونية التي لا ينصلح الكون إلا بها ولا يقوم الدين إلا بها .
العنصر الثالث : الأهداف الأساسية للهجرة المباركة:ــ
لم تكن الهجرة فراراً من الجهاد أو تهرباً منه، كلا ،وإنما كانت إعداداً لأعبائه، و لم تكن خوفاً من الأذى، ولكن توطيداً لدفعه، ولم تكن جزعاً من المحنة، ولكن توطيناً للصبر عليها، أجل لم تكن فراراً من القدر، ولكنها كانت فراراً إلى القدر. 
ولم تكن الهجرة فرارا من المحنة، أو مجرد انتقال مكاني، وإنما كانت فاتحة العمل الجاد المتواصل لتغيير الأرض، وتحويل مجرى التاريخ، ووضع أسس البناء الإسلامي الشامخ ؛ ولذلك كانت أكبر أحداث التاريخ البشرى بلا مبالغة، بل أعظم هجرة في تاريخ النبوات جميعا من حيث النتائج والآثار، ومن حيث التفاعلات التي تولدت عنها، والأحداث التي تعاقبت بعدها،
و ترتبت عليها. 
وبذلك كان يوم بدر و فتح مكة و ما تبعه، و تطهير الجزيرة العربية من أرجاس اليهود والشرك، وإسلام العرب، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وتقويض ممالك الفرس و الروم، ووصول الإسلام إلى الصين شرقا والأندلس غربا ؛ كل هذا وأكثر منه سيظل مديناً بقدرٍ كبير لهذه الهجرة النبوية المباركة.
ولقد وضع النبي () أهدافا أساسية للهجرة المباركة وهي .....
 1ـ إقامة دين الله ولا شيء أغلى عند المسلم من دينه، ولا شيء أسمى من رسالة التوحيد، فهي التي عليها نحيا، وعليها نموت، وفي سبيلها نجاهد، وعليها نلقى الله، ولذلك هاجر رسول الله
() من أجله.
وضحي أصحابه الكرام رضوان الله عليهم جميعا من أجله فعلي سبيل المثال :ـ
يقول أهل السير: كان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنَّبه وأخزاه، وأوعده بإبلاغ الخسارة الفادحة في المال، والجاه، وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرى به.
وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من ورق النخيل ثم يدخنه من تحته. 
ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه منعته الطعام والشراب، وأخرجته من بيته، وكان من أنعم الناس عيشًا، فتَخَشَّفَ جلده تخشف الحية.
وكان صهيب بن سنان الرومي يُعذَّب حتى يفقد وعيه ولا يدرى ما يقول، وترك ماله وأرضه وداره وهاجر إلي الله ورسوله ونزل فيه قول الله تعالي {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)}[البقرة] .
وكان بلال مولى أمية بن خلف الجمحي، فكان أمية يضع في عنقه حبلًا، ثم يسلمه إلى الصبيان، يطوفون به في جبال مكة، ويجرونه حتى كان الحبل يؤثر في عنقه، وهو يقول: أحَدٌ أحَدٌ، وكان أمية يشده شدًا ثم يضربه بالعصا، و يلجئه إلى الجلوس في حر الشمس، كما كان يكرهه على الجوع. وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في الرمضاء في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك: أحد،أحد، ويقول: لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها.
ومر به أبو بكر يوما وهم يصنعون ذلك به فاشتراه بغلام أسود، وقيل: بسبع أواق أو بخمس من الفضة، وأعتقه. وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه مولى لبني مخزوم، أسلم هو وأبوه وأمه، فكان المشركون ، وعلى رأسهم أبو جهل ،يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرها.
ومر بهم النبي () وهم يعذبون فقال: ( صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة )، فمات ياسر في العذاب، وطعن أبو جهل سمية أم عمار في موضع عفتها بحربة فماتت، وهي أول شهيدة في الإسلام، وهي سمية بنت خياط مولاة أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت عجوزًا كبيرة ضعيفة.
وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة، وبوضع الصخر الأحمر على صدره أخرى، وبغطه في الماء حتى كان يفقد وعيه. وقالوا له: لا نتركك حتى تسب محمدًا، أو تقول في اللات والعزى خيرًا، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء باكيًا معتذرًا إلى النبي ()، فأنزل الله:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ(106)} الآية [النحل].
والأمثلة كثيرة والسيرة مليئة بالقدوات الرائعة في البذل والعطاء من أجل إقامة الدين وكان شعارهم :ـ
تهون الحياة وكل يهون             ولكن إسلامنا لا يهون
نضحي له بالعزيز الكريم           ومن أجله نستحب المنون
2- حماية الفئة التي آمنت بدين الله عزَّ وجلَّ، وبرسوله محمد () من بطش المشركين الكافرين؛ حتى تتمكن من إقامة هذا الدين.
3- نشر دين الله، وجعل كلمة الله هي العليا، وكلمة المشركين الكافرين السفلى، وصدق الله العظيم القائل:{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)}[التوبة].
4- تأسيس الدولة الإسلامية التي تطبق شرع الله في كلِّ نواحي الحياة؛ من خلال المجتمع الإسلامي المتآخي المترابط المتحاب.
فالدولة إحدى ضرورات إقامة الدين في الأرض فهي حارسة له حامية لمبادئه كما يقول الإمام أبو حامد الغزالي "الدين والسلطان توأمان الدين أصل والسلطان حارس وما لا أصل له فمهدوم وملا حارس له فضائع".
ولقد قرر علماء السياسة الشرعية أن أول ما تحتاج إليه الدعوة الإسلامية أن تقوم "دار الإسلام" أو دولة الإسلام" التي تتبنى رسالة الإسلام عقيدة وشريعة عبادة وأخلاقا, هذه الدولة ضرورة إسلامية وهي أيضا ضرورة إنسانية دولة توحد الأمة تحت راية واحدة وتنطلق بالإسلام إلى العالمية، هذه الدولة جزء من نظام الإسلام، وإذا كانت الأفكار والمعتقدات والمبادئ تحتاج إلى
كيان قوي لحمايتها فهذا الكيان هو الدولة التي سعى إليها رسول الله () من أول يوم.
5- الانطلاق بالإسلام إلى العالم لتكون له العالمية باعتباره الدين التام والشامل، وأن رسوله () قد أُرسل إلى الناس كافة، مصداقًا لقول الله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ(28)}[سبأ].
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف العامة كانت الهجرة التي أُذِنَ للرسول بها، وهذا أمر مهم وإستراتيجي وعظيم يجب أن توضع له السياسات ويخطط له بحكمة، وينفذ بنظم وبرامج وبأساليب رشيدة على النحو الذي سوف نوضحه في الفقرات التالية.
العنصر الرابع : التخطيط البشري لإقامة الدولة :ـ
إن الهجرة يتجلى فيها التعامل مع الأسباب ؛ لأن ذلك من الدين، إذ الأسباب ما هي إلا أدوات للقدرة العليا، ومفاتيح لخزائن رحمة الله عز وجل، إن من تأمل الهجرة، و رأى دقة التخطيط فيها، و دقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها إلى انتهائها، يدرك أن التخطيط جزء من السنة النبوية، بل هو جزءٌ من التكليف الإلهي في كل ما طولب به المسلم، ولابد أن نعلم أن هذه العبقرية في التخطيط، ما كان بها وحدها يكون النجاح، لولا التوفيق الإلهي، والإمداد الرباني، فالهجرة جرى فيها القدر الإلهي من خلال الأخذ بالأسباب البشرية.
لقد وضع النبي صلي الله عليه وسلم الخطوات الأساسية للخطة وهي كما يلي :ــ 
الخطوة الأولي :ـ وضوح الرؤية :ــ
وضوح الرؤية لدي النبي () منذ أول يوم في الرسالة  أنه مبعوث للعالمين ، وأن التحديات له من أول يوم وأنه سيتحول من بلد إلي بلد وسيكون البلد الجديد مأوي جديد للدعوة ، وذلك من خلال حديثه مع ورقة ابن نوفل  لما رجع صلى الله عليه وسلم من غار حراء وبعد حوار طويل تقول له زوجته خديجة بعد أن أخذته إلى ابن عمها ورقة بن نوفل: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟
فأخبره رسول الله () خبر ما رأى، فقال ورقة:[هذا هو الناموس الأكبر نزّله الله على موسى، ليتني فيها جَذَعَا أنصرك حين يخرجك قومك، ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصرا مؤزرا]. 
وإدراكه أن حالة الاستضعاف التي هم فيها لن تدوم فتهيأ () لتلك المرحلة فربي أصحابه تربية صلبة قوية تربية رجل الدولة فكرا وعقلا وممارسة ، فكان يبعث فيهم الأمل والنظرة المستقبلية يتضح من حديثه مع خباب رضي الله عنه  حينما قال : شكونا إلى رسول الله  وهو متوسد بردة له في الكعبة، فقلنا له ألا تستنصر لنا؟
ألا تدع الله لنا؟
فقال (): [كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون].
الخطوة الثانية : البحث عن عاصمة جديدة  للدولة :ـ
البحث عن مراكز داعمة للحركة نحو الدولة وذلك من خلال ترتيب الهجرة إلى الحبشة قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56)}[العنكبوت] .
قال ابن كثير رحمه الله: "هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة حتى يمكن إقامة الدين... إلى أن قال: ولهذا ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا خير المنزل هناك أصحمة النجاشي ملك الحبشة، -رحمه الله تعالى قال ()  لأصحابه: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل لكم فرجاً مما أنتم فيه ) فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله () إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام). 
ولكن كان النبي () يعلم من خلال خبرته للواقع أن الحبشة لا تصلح لأن تكون مقرا للدولة الإسلامية لأنها كانت في منفي واعتماد الدولة علي الملك العادل الذي إن مات ماتت الدعوة هناك ، ولكن ظل النبي () يعرض نفسه علي القبائل والأسواق ،حتي قابل  ستة شباب من الخزرج في العقبة، فواعدوه سنة حتى يكمل اجتماع أهل يثرب، بعد أن فرَّقهم وشتَّت شملهم النزاع في حرب بعاث، وانتظر رسول الله () عاما كاملا على الموعد الذي تم بينه وبين النفر الستة من الخزرج، وتم لقاء جديد في العقبة أطلق عليه فيما بعد - بيعة العقبة الأولى، وهو كما رواه ابن إسحاق: "حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله () على الإسلام وهو ما يسمي ببيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب".
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وكان شهد بدرًا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله () قال وحوله عصابة من أصحابه [بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروفٍ، فمَن وفى منكم فأجرُه على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا، فهو كفَّارة له، ومَن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه]، فبايعناه على ذلك
يقول ابن إسحاق: "فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله () ودعوهم إلى الإسلام حتى فشى فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله () ".
ولقد بعث النبي () مصعب بن عمير ممثلا شخصيا للرسول () إلي المدينة يفقه المسلمين بهذا الدين الجديد، واستطاع السفير الأول  في المدينة مصعب بن عمير بحكمته وحصافته وذكائه أن يقنع أكبر قيادات الأوس للإسلام، أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، خلال العام الجديد، ولم يبق في بني عبد الأشهل بطن كبير من الأوس- رجل ولا امرأة ولا طفل إلا ودخل في الإسلام.
لقد أصبح الجو العام في المدينة مهيأ تهيئة تامة لقيام الدولة الإسلامية.
وهذا ما خطط له رسول الله () بعد أن بذل كل ما يملك من جهد لتعبئة الطاقات الإسلامية في المدينة.
وتمت التعبئة الكاملة، حين شعرت القاعدة الصلبة التي بايعت النبي () البيعة الأولي أنه قد آن الأوان لقيام الدولة الجديدة، وكما يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنه: "حتى متى نترك رسول الله () يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟".
 لقد أصبحت النفوس جاهزة للانطلاق، وتنتظر إشعال الفتيل للحرب ضد الجاهلية المستحكمة.
وصار القوم جاهزون لبيعة جديدة قادرة على حماية رسول الله () ومنعته.
كان اللقاء الذي غير مجرى التاريخ في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من البعثة، حيث حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسا من المسلمين ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان) من أهل يثرب، فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات سرية أدت إلي اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم هذا الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل، والذي كان من نتائجه أن تغيرت خريطة العالم بعد ذلك وقامت للإسلام دولة، وسقطت عروش عظيمة كعرشي كسرى وقيصر، واستقر دين الإسلام في الأرض.
تكلم رسول الله () ، وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم"، فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (نساءنا) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب، وأبناء الحلقة (السلاح)، ورثناها كابرا عن كابر، فاعترض القول والبراء يُكَلِّمُ رسول الله () أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها يعني اليهود فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال فتبسم رسول الله () ، ثم قال: "بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم".
وروى الإمام أحمد في مسنده والبيهقي في السنن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلاً حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ في الْمَوْسِمِ فَوَعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّى تَوَافَيْنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَا نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: "تُبَايِعُونِى عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ في النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، والنَّفَقَةِ في الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا في اللَّهِ لاَ تَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ. وَلَكُمُ الْجَنَّةُ".
يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ، فَقَالَ: رُوَيْدًا، يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، إِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمْ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى السُّيُوفِ إِذَا مَسَّتْكُمْ، وَعَلَى قَتْلِ خِيَارِكُمْ، وَعَلَى مُفَارَقَةِ الْعَرَبِ كَافَّةً، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً، فَذَرُوهُ فَهُوَ أَعْذَرُ عِنْدَ اللَّهِ.
قَالُوا: يَا أَسْعَدُ بْنَ زُرَارَةَ، أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ، وَلَا نَسْتَقِيلُهَا.
فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا يَأْخُذُ عَلَيْنَا بِشُرْطَةِ الْعَبَّاسِ، وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ.
ملامح الدولة الإسلامية المرتقبة :ـ
بعد أن تمت بيعة العقبة الثانية طلب رسول الله () انتخاب اثنى عشر زعيما يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسؤولية عليهم في تنفيذ بنود هذه البيعة، إذ إن رسول الله () لن يستطيع أن يبايع كل أفراد الأمة المسلمة على ذلك، فلا بد من انتخاب قيادة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن هذه القواعد.
وتم الأمر بانتخاب تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وبعد هذا الانتخاب الحر عقد رسول الله () اجتماعًا مهمًّا على مستوى القمة مع هؤلاء النواب، وأخذ عليهم النبي () ميثاقا آخر بصفتهم رؤساء مسؤولين، وقال لهم: "أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كُفَلاءُ كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى بِنْ مَرْيَمَ، وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي". يعني المسلمين من أهل مكة. فقالوا: نعم.
قال ابن إسحاق: "فلما أذن الله تعالى لرسوله () في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن تبعه وآوى إليه من المسلمين، أمر رسول الله () أصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: "إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها".
فخرجوا أرسالًا وأقام رسول الله () بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة، والهجرة إلى المدينة".
الخطوة الثالثة : الهجرة إلي عاصمة الدولة الجديدة:ــ
رغم ثقة النبي () بحماية ربه له فهذا لم يمنعه من أن يأخذ الاحتياط البشري الذي يملكه ، وما أحوجنا إلي أن ندرك واجبنا في الإعداد لمواجهة العدو رغم اعتمادنا الأول والأخير علي الله تعالي ، لا أن نحيل تقصيرنا وضعفنا وتهاوننا علي القدر ، ونتوجع علي عدم نصر الله تعالي لنا ، ونحن المسؤولون عن ذلك.
لذلك قام النبي () بوضع الوسائل للهجرة الي عاصمة الدولة الجديدة علي النحو التالي :ـ 1- توفير وسائل الهجرة:ــ
طلب رسول الله () من أبي بكر شراء راحلتين، وتم استئجار أحد الخبراء في الطرق وهو عبد الله بن أريقظ؛ ليدلهما على الطريق، ثم طلب من أبي بكر ليكون في الصحبة: فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟
قال رسول الله (): "نعم" (رواه البخاري)، كما طلب من علي بن أبي طالب أن ينام في فراشه، وطلب من عبد الله بن أبي بكر جمع الأخبار، وطلب من أسماء بنت أبي بكر إحضار الزاد، وطلب من عامر بن فهيرة السير خلف عبد الله بن أبي بكر بالأغنام ليزيل آثار الأقدام.
2- التوقيت المناسب للهجرة: ـ
لقد أَوْحَى الله عزَّ وجلَّ إلى نبيه () وأخبره بمؤامرة قريش، وَأَذِنَ له في الخروج، وحدَّد له وقت الظهيرة، وذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه في ذلك الوقت، في ساعة لا يظن أحد أن يخرج فيها رسول الله () ، وَمَكَثَ في الغار ثلاثة أيام حتى تهدأ الأمور ويأمن الطريق، لقد اختار الله عزَّ وجلَّ لنبيه التوقيت المناسب في إطار خطة محكمة وترتيب دقيق.
3 - اختيار الطريق المناسب: ـ
خرج رسول الله () وصاحبه من الغار نحو الجنوب إلى اليمن، ثم اتجه غربًا إلى الساحل حتى سارا في طريق لم يألفه الناس إلا نادرًا بهدف تجنب شر الأعداء. 
4-  التموية  والسرية والكتمان :ـ 
حرص النبي () علي كتمان الأمر وأخذ السرية التامة  عن أقرب الناس إليه وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه "لقد استعد أبو بكر للهجرة إلى المدينة؛ ليلحق بمن هاجر من قبل، فقال له رسول الله (): "على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي"، فقال له أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله () ليصحبه.."، ولكن لم يُعْلِم رسول الله ()أبا بكر بميعاد الهجرة،  
وتقول أمنا عائشة رضي الله عنها "  "بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله () متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداك له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلاَّ أمر؛ قالت: فجاء رسول الله () فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي () لأبي بكر: "أخرج مَنْ عِنْدك"، فقال أبو بكر: إنما هم أَهْلُكْ، بأبي أنت يا رسول الله، قال: "فإني قد أُذِنَ لي في الخروج"، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله () :"نعم" (رواه البخاري)، ويستنبط من ذلك الموقف كتمان ميعاد الهجرة عن أهل رسول الله () وعن أبي بكر حتى ساعة التنفيذ، وهذه سياسة رشيدة عند التعامل مع الأعداء. 
وقد أوصي النبي صلي الله عليه وسلم بالاستعانة بالسرية في أمور حياتنا فقال () " استعينوا علي قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود " 
ولقد مَوَّه رسول () خروجه من البيت، ثم غادرهو وأبو بكر من بيت سيدنا أبو بكر رضي الله عنه من باب خلفي، وسلك طريقًا غير طريق المدينة المعتاد، وهو الطريق الواقع جنوب مكة والمتجه نحو اليمن، وكان النبي () يسير على أطراف قدميه كي يخفي الآثار،وظل في الغار مدة ثلاثة أيام حسب التخطيط ، وهنا تبدو عظمة التخطيط أكثر حين نعلم أن غار ثور في جنوب مكة ، وليس علي طريق المدينة  حيث احتمالات الرصد ، ولما كان النبي () يعلم أن قريشا ستجد في الطلب ، وإن الطريق الذي ستتجه إليه  الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا ، فقد سلك الطريق المعاكس تماما وهو الواقع جنوب مكة والمتجه نحو اليمن ، سلك هذا الطريق نحو خمسة أمثال حتي بلغ إلي جبل يعرف بجبل ثور وهو جبل شامخ وعر الطريق صعب المرتقي ذو أحجار كثيرة فخفيت قدما رسول الله () ، وأقام النبي () ثلاثة أيام  لأن الخروج إلي أي مكان في الأيام الأولي يجعلهما عرضة للوقوع في قبضة العدو كما أن المدة الزمنية كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا في المعلومات المقدمة من عبدالله ابن أب بكر عن خفة الطلب عليهما كما أن الاستقرار أكثر قد يلفت النظر من الآخرين حين يتكرر المرور عليهما من أسماء وعبدالله كل يوم .
5- توزيع الأدوار والاختصاصات:ـ
إن سياسة تحديد وتوزيع الاختصاصات والمسئوليات من الأشياء المهمة في أي خطة،فلم تكن الهجرة عملاً عشوائيًّا، بل كانت خطة محكمة جدًّا وتنظيمًا دقيقًا، وُزِّعَت فيها الاختصاصات وحُدِّدَت المسئوليات علي هذا النحو:ـ
رفيق الرحلة :ـ
فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يرافق الرسول () ويعاونه ويساعده ويشتري راحلتين.
رد الودائع والأمانات والتعمية علي الكفار :ـ
يقوم به علي رضي الله عنه ، ينام في فراش النبي () للتمويه ويرد الأمانات والودائع لأصحابها.
نقل الأخبار والمعلومات :ـ
يقوم به عبد الله بن أبي بكر، فلا يكفي أن يقوم النبي () في الغار مدة معينة ثم ينطلق إلي المدينة حسب تقديره وظنه فلا بد من التعرف مباشرة علي كل أسرار العدو مخططاته وتوقعاته يحيث تصل أول بأول إليه () فيكون متابعة تنفيذ الخطة قائما علي خبرة الواقع لا علي الظن يخطئ ويصيب فكان عبدالله يسمع أخبار مكة نهارا ويقضي النهار معهم ، ثم يأتي بالليل إلي النبي () في الغار يبيت معهم ، وقبل الفجر يذهب إلي مكة ،وكأنه نائم في مكة . ، وكلما كانت القيادة أعلم بواقع العدو ، وأدري بأسراره ، ولها في صفوفه من ينقل إليها كل تخطيطاته ، كلما كان ذلك أنجح لها في تنفيذ خططها ومخططاتها .
تأمين الزاد :ـ
تقوم به أسماء بنت أبي طالب رضي الله عنها وكانت حامل في شهورها الأخيرة وكانت تصعد في الجبل اوعر الشامخ ذو الأحجار الكثيرة .
إخفاء أثر الأقدام :ـ
يقوم به عامر ابن فهيرة ، يقوم برعي الأغنام ليعفي أثر الأقدام ،ونجحت هذه السياسة في إخفاء
محاولة المشركين في العثور على رسول الله () وصحبه .
الإستعانة بالخبراء:ـ
لقد اتبع النبي () سياسة الاستعانة بالخبراء حتى ولو كانوا من غير المسلمين، لقد استعان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أريقط الليثي؛ ليدله على أفضل الطرق الخفية إلى المدينة باعتباره من الخبراء في ذلك، تقول كتب السيرة: "لقد استأجر رسول الله () وصاحبه أبو بكر عبد الله بن أريقط الليثي الكافر، وكان هاديًا ماهرًا بالطريق وَأَمِنَاهُ على ذلك، وسلما إليه الراحلتين، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، وجاءهما عبد الله في المكان والميعاد المتفق عليه، ولقد استنبط فقهاء الإسلام أنه يجوز الاستعانة بغير المسلم عند الضرورة متى كان خبيرًا وأمينًا.
لقد كان توزيع دقيق للمسئوليات في إطار سياسة رشيدة وخطة محكمة، ولذلك تحققت المقاصد والأهداف بدون ارتباك أو خلل، وهذا ما يجب الاستفادة منه في إدارة شئون حياتنا كلها وفي دعوتنا الإسلامية.
6 ـ التأييد الإلهي للنبي ():ـ
بالرغم من كل الأسباب التي اتخذها رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فإنه لم يرتكن إليها مطلقا وإنما كان كامل الثقة في الله تعالي ، عظيم الرجاء في نصره وتأييده ، دائم الدعاء بالصيغة التي علمه الله إياها قال تعالي {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)}[الإسراء]
هل رأيتم رجلاً أعزلاً محاصراً يخرج إلى المجرمين ويخترق صفوفهم فلا يرونه ويذر التراب على رؤوسهم ويمضي؟
هل رأيتم عنكبوتاً تنسج خيوطها على باب الغار في ساعات معدودة؟
هل رأيتم فريقاً من المجرمين يصعدون الجبل ويقفون على الباب فلا يطأطئ أحدهم رأسه لينظر في الغار؟
وسجل الحق عز وجل ذلك في قوله تعالي {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)} (التوبة). 
وصدق الله العظيم إذ يقول :{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)}
[الطور].
هل رأيتم فرس سراقة يمشي في أرض صلبة فتسيخ قدماه في الأرض وكأنما هو يسير في الطين... هل رأيتم شاة أم معبد الهزيلة يتفجر ضرعها باللبن؟
إن هذه المعجزات لهي من أعظم دلائل قدرة الله تعالى، وإذا أراد الله نصر المؤمنين خرق القوانين، وقلب الموازين «إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون».
العنصر الخامس : وضع أسس الدولة الجديدة :ـ
إن الهجرة النبوية أهم حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية، فبالهجرة ولدت دولة الإسلام الأولي على أرض المدينة المنورة ،بعد جهاد ضار مضني استمر ثلاثة عشر عاما كاملة، وقد وضع النبي () أسس ودعائم الدولة وهي ..
1ـ بناء المسجد :ـ
الخطوة الأولى في بناء هي بناء المسجد الذي سيكون مركز انطلاقة لهذه الدولة، ودار الحكم فيها، ومقر قيادة الجيش، ومحضن التربية الأول ودار القضاء العالي.
2ـ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار :ـ
 كانت المؤاخاة هي الأساس الثاني الذي أشرف عليه رسول الله () بنفسه في المدينة، وهو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وضرب الأنصار المثل الرائع والقدوة العملية في معاني الأخوة والتآخي والوحدة والإيثار.
وقد ذكر أصحاب المغازي أن المؤاخاة بين الصحابة وقعت مرتين: الأولى قبل الهجرة بين المهاجرين خاصة على المواساة والمناصرة، فكان من ذلك إخوة زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطلب، ثم آخى النبي () بين المهاجرين والأنصار بعد أن هاجر، وذلك بعد قدومه المدينة.
3ـ دستور المدينة :ـ
ثم كان الأساس الثالث (وثيقة المدينة)، حيث وُضع الدستور الإسلامي بين المسلمين وغيرهم، وهو أول دستور منصف عرفته البشرية، فقد كتب رسول الله () كتابًا بين المهاجرين والأنصار وَادَع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم.
الخاتمة :ـ
إن حدث الهجرة غير مسيرة التاريخ، وتجلت فيه قوة العزيمة، وكمال الشجاعة، وصدق الإيمان، ونهاية التضحية، وحب الإيثار، لقد كانت الهجرة مؤشراً لانطلاق الدعوة، التي ظلت حبيسة في أرض حسب أهلها أن انتهاك الحرمات إقدام، والنيل من المستضعفين جرأة و شجاعة.
لقد كانت الهجرة نقطة الانطلاق والتأسيس للدولة الإسلامية، وهي عملية الانتقال من مرحلة الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، وترك عبادة الأوثان وتطهير النفوس من أدران الشرك، إلى مرحلة بناء وتأسيس الدولة والأمة الإسلامية، وإرساء قواعدها لتتمكن من الانطلاق إلى العالم أجمع لنشر الدعوة الإسلامية.
فكانت فيصلًا بين مرحلتين، مرحلة العصبة المؤمنة، ومرحلة الدولة الموحدة، أقام المسلمون بعدها دولة بنت حضارة إنسانية عريقة قوامها الأخلاق وعمادها الإنسان، ولن تقوم للإسلام دولة إلا إذا قامت على ما قامت عليه الهجرة.
 =======================
رابط doc
رابط pdf

3 سبتمبر 2019

رسالة المسجد ودوره في المجتمع




الحمد لله رب العالمين .. جعل المساجد أفضل بقاع الأرض فنسبها لذاته العلية فقال تعالي (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً {18}الجن.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..جعل عمارة المساجد برهان علي إيمان العبد فقالي تعالي (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ {18}التوبة.

وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم ربط أصحابه وأتباعه بالمسجد لما فيه من الخير العظيم (المسجد بيت كل تقي وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز علي الصراط إلي رضوان الله إلي الجنة ) رواه الطبراني، وصححه الألباني في الترغيب والترهيب

فاللهم صل وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما..

أما بعــد :ــ فيا أيها المؤمنون

تمهيد :ــ لقد حرص النبي صلي الله عليه وسلم علي تربية الأمة وربط صلتها بربها فهي صلة العبودية الخالصة التي تقوم علي إخلاص الدين له وحده لا شريك له والاعتقاد بأنه هو رب العلمين وهو وحده الإله الحق الذي يخلق ويرزق ويحي ويميت ويضر وينفع وأنه لا إله غيره تعنو له الوجوه وتخشع له القلوب وتتوجه له الأنفس وهي صلة مباشرة بين العبد وربه لا سلطان لأحد عليها ولا وساطة لأحد فيها فإذا توطدت هذه الصلة بين العبد وربه كان أول مظاهره ألا يذل إلا له ولا يستعين إلا به ولا يعمل إلا ابتغاء رضوانه ولا يتم ذلك إلا إذا ارتبط الإنسان ارتباطا وثيقا بالمسجد وتعلق قلبه به لذلك نلحظ أن أول عمل قام به النبي صلي الله عليه وسلم هو بناء المسجد وكان يقوم بالبناء بنفسه ويحمل الحجارة علي صدره الشريفة مما دفع بعض الصحابة أن يقول لأن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل.

فجعل الصحابة ينشدونها ويتغنون بها وهم يعملون وكان صلي الله عليه وسلم يأبي إلا أن يكون واحدا منهم يعمل كما يعملون وينشد كما ينشدون ويأخذ حظه من ثواب الله عز وجل كما يأخذون فقد لقيه رجل من أصحابه وهو يحمل لبنة فقال أعطينيها يا رسول الله يريد يخفف عنه فقال له رسول الله صلي الله عليه وسلم اذهب فخذ غيرها فلست بأفقر إلي الله مني ) وذلك لما للمسجد من مكانة عظيمة ومنزلة عالية في الإسلام ، فالمساجد هي مراح ومستراح للأرواح الرفرافة الطاهرة ومأوى ومستقر للأجساد العابدة ، وموضع طمأنينة ومكان سكينة للقلوب النقية ، وموضع سعادة وأنس وجمال للنفوس المطمئنة ، إنها بيوت الله في الأرض ، المساجد ، التي لا يتعلق بها قلب مخلص إلا كان علامة على تقواه ولا يلازمها عبد صالح إلا رفع الله شأنه وطهر قلبه وغلب أعداءه .. من مواضع السجود فيها خرج العابدون ، ومن مدارسها نبغ العلماء ، ومن جوانبها خرجت ثورات الأمة على كل ظالم جبار

لذاك كان حديثنا عن رسالة المسجد ودره في المجتمع ويتضمن هذه العناصر الرئيسية الآتية :ــ

1 ـ فضل المسجد ومكانته في الإسلام .

 2 ـ رسالة المسجد في كل مجالات الحياة .

 3ـ آداب المسجد .

 4 ـ كيفية تفعيل رسالة المسجد.

 5 ـ الخاتمة .

العنصر الأول :ــ فضل المسجد ومكانته في الإسلام :ـــ

المساجد بيوت الله تعالى في أرضه جعلها خالصة له وحده , فقال سبحانه : \” وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) سورة الجن. وهي أحب الأماكن إلى الله تعالى وإلى رسوله وإلى المؤمنين الصالحين , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ :أَحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدهَا ، وَأَبْغَضُ الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقهَا. أخرجه مسلم ،وابن خزيمة ، وابن حبان. وقال الله تعالى : \” في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو الآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله .. \” سورة النور .

 بل إن المسجد هو بيت كل مؤمن وتقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : \” المسجد بيت كل تقي وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله إلى الجنة \” ( رواه الطبراني وصححه الألباني في الترغيب والترهيب ) .

ومكانة المسجد في الإسلام تظهر بوضوح وجلاء في كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يستقر به المقام عندما وصل إلى حي بني عمرو بن عوف في قباء، حتى بدأ ببناء مسجد قباء، وهو أول مسجد بُني في المدينة، وأول مسجد بني لعموم الناس كما قال ابن كثير رحمه الله .البداية والنهاية . وكذلك عندما واصل صلى الله عليه وسلم سيره إلى قلب المدينة كان أول ما قام به تخصيص أرض لبناء مسجده صلى الله عليه وسلم . وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً في سفر أو حرب وبقي فيه مدة اتخذ فيه مسجداً يصلي فيه بأصحابه رضي الله عنهم، كما فعل في خيبر. وها نحن ذا نرتشف تلك المعاني وغيرها من حديث النبي صلي الله عليه وسلم وفي ظلاله حول بيوت الأتقياء وجنة العابدين :–

1 ـ الارتباط بالمساجد والمشي إليها :ـ 

وأقصد بالارتباط بالمساجد : تعلق القلب بها ودوام التردد عليها وكثرة الجلوس بها وحبها وإكرامها والإكثار من بنائها وتطيبها وإحياء العبادات بها ، والاجتماع على طاعة الله فيها . وقد رغب الإسلام في الارتباط بالمساجد ترغيبا كبيرا وكأن الإسلام ينطلق من المساجد نحو العالم أجمع ، وكأن الشارع يقول للخلق : يا أيها العالمين توحدوا في مساجد الله ثم تعلموا واعبدوا ثم انطلقوا لتضيئوا الدنيا بأجمعها ..

 فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \” من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح \” رواه مسلم ، فأي مكرمة تلك المكرمة ؟ وأي فضيلة تلك الفضيلة ؟

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \” من تطهر في بيته ثم مضى إلي بيت من بيوت الله ليقضى فريضة من فرائض الله ، كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة \” رواه مسلم ، فالخطى إلى بيوت الله ليست فقط خطى إلى مراكز تربوية نورانية ، بل هي تشفيف للروح وتنقية للذنب قبل الوصول إليها وتطييب للخطى أثناء العزم .. فتدبر .

2ـ مغفرة للذنب :ـ

 إن لأهل المساجد الساعين إليها والمتعلقين بها والمرتبطين بها لفضيلة أي فضيلة ، تلك التي تمحو السيئات وترفع الدرجات وتزين بالمكرمات ، فبين خطا تمحو الخطايا وبين ركعات تذيب الذنوب وبين رحمة من الله أعدت لهم .. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: \” من راح إلى مسجد الجماعة فخطوة تمحو سيئة وخطوة تكتب له حسنة ، ذاهبا وراجعا \” رواه احمد .

3- رباط في سبيل الله عز وجل :ـ 

عن أبي هريرة رضي الله عنه .أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال :\”ألا أدلكم علي ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات .قالوا: بلي يا رسول الله قال :\”إسباغ الوضوء علي المكاره ،وكثرة الخطا إلي المساجد ،وانتظار الصلاة بعد الصلاة ،فذلكم الرباط فذلكم الرباط\”رواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي. وأجر المرابط في سبيل الله كبير فيقول النبي صلي الله عليه وسلم (كل ميت يختم علي علمه إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمي له عمله ويؤمن من فتنة القبر) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.

4ـ نور المشائين في الظلمات :ـ

 أما الذين يكابدون آلام الدنيا ومشاقها في سبيل الله فإن ربهم سيخلف عليهم خير إخلاف وسيبدلهم بخوفهم أمنا وببذلهم عطاء وبالظلام الذي عانوه نورا وحبورا .. فعن بريدة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \” بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة \” رواه أبو داوود ، قال الألباني – رحمه الله – : \” والحديث يعنى العشاء والصبح لأنها تقام بغلس \” ( يعني بظلمة

أحب الأماكن إلى الله المساجد :ـ 

لقد دلت الأخبار الصحاح على فضل المسجد كمكان تقام فيه العبادة ويستمع فيه الذكر وتصنع فيه الخيرات ويؤمر فيه بالمعروف ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \” أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها ، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها \” رواه مسلم .وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه: أن رجلا قال : يا رسول الله ، أي البلدان أحب إلى الله وأي البلدان أبغض إلى الله ؟ قال : \” لا أدري حتى أسأل جبريل – عليه السلام – \” ، فأتاه جبريل فأخبره : \” إن أحسن البقاع إلى الله المساجد ، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق \” رواه احمد وصححه الألباني .

6ـ فضائل أهل المساجد :ـ 

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : \” المسجد بيت كل تقي وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله إلى الجنة \” رواه الطبراني وصححه الألباني.

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: \” ما توطن رجل المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله تعالى إليه كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم \” رواه ابن حبان. 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : \” سبعة يظلهم الله بظله ، يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل ، وشاب نشأ في عبادة الله – عز وجل – ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه \” متفق عليه .

 وأيضا قال صلي الله عليه وسلم (من أدمن الاختلاف إلي المساجد أصاب:- أخا مستفادا في الله عز وجل ،علما مستظرفا ،كلمة تدعوه إلي الهدي ،كلمة تصرفه عن الردي ،ترك الذنوب حياء وخشية ،نعمة ورحمة منتظرة هذا في الدنيا وفي الآخرة الجواز علي الصراط إلي رضوان الله إلي الجنة مع الاستظلال بظله يوم لا ظل إلا ظله سبحانه وتعالي) .أورده ابن حجر الهيثمي في مجمع الزوائد من كتاب الصلاة باب لزوم المساجد من حديث الحسن ابن علي عن جده. 

وأورد ابن ماجة رحمه الله تعالي : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (أبشروا هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة يقول انظروا إلي عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخري).

العنصر الثاني :ــ رسالة المسجد في كل مجالات الحياة :ـ

المسجد أول مشروع للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وبه بدأ بتكوين وبناء المجتمع المسلم والعلمانيون حصروا عمل المسجد في الصلاة والقرآن فقط.

ولكن الناظر إلى المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يجد أن المسجد في عهده كان شعلة وهاجة تنير الأرض من حولها. المسجد لم يكن مكاناً لأداء الصلاة فقط، ولكن كان يمثل الموجه في بناء المجتمع من كل جانب بما توحيه الرسالة المحمدية، ففتح أبوابه للصلاة، ولتوجيه المجتمع توجيهاً إسلامياً سواء من خلال المنبر أو حلقات العلم والدرس أو الأحداث التي تجري داخله، إذا كانت الفرصة مهيأة للاجتماع والتعارف، وتقوية الروابط الأخوية بين المسلمين، فالصلاة وحدها والتي يظن البعض أنها علاقة بين العبد وربه، هي في الحقيقة شحنة روحية هائلة ودرس أخلاقي واجتماعي ونفسي يدفع الإنسان إلى الطريق الأفضل في حياته وعلاقاته مع الآخرين بسلوك يتسامى ويتعالى لأنه يستمد توجيهه من التربية الإسلامية. 

وسنعرض لهذه الأدوار التربوية في المجتمع :ــ

التربية الإيمانية للمسجد:ـ 

”إن الوظيفة الأولى للمساجد هي أنها أماكن عبادة، فيها يؤدي المسلمون صلواتهم وجمعهم أو جماعاتهم، ويقرءون القرآن ويذكرون الله. وصدق الله العظيم إذ يقول \”إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين\”. (التوبة: 18) وعمارة المساجد تعني تشييدها وإقامتها وبنيانها، وبالتالي عمارتها العبادة والاجتماع فيها للجماعة، وبقراءة القرآن والذكر، والاعتكاف وهذا هو المعنى الأهم في العمارة. إن مهمة المساجد هي كما بين الله سبحانه وتعالى بقوله \”في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة\”. (النور: 36

ومن الآية نرى أن الله تعالى أذن أن ترفع بيوته بتعظيمها ورفع شأنها بالتقديس والتطهير وإقامة الشعائر الدينية فيها بعد رفع قواعدها وبنيانها. أصبحت المساجد همزة وصل بين الناس ورب الناس ، ومهادا للمعراج الروحي الذي ينقل البشر من مآربهم القريبة إلي مناجاة الله وتسبيحه وتمجيدة ! ليس هذا ارتقاء معنويا للأرض نفسها ؟ يظهر ذلك عنما نطالع ما جاء في السنة النبوية المطهرة أن رسول الله صلي الله عليه دخل ذات يوم المسجد ، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة فقال :(يا أبا أمامة مالي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة ؟ \” فقال : هموم لزمتني وديون يا رسول الله فقال : \” ألا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى دينك ؟ \” قال : قلت : بلى يا رسول الله قال : \” قل إذا أصبحت وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، وأعوذ بك من العجز والكسل ، وأعوذ بك من الجبن ، والبخل ، وأعوذ بك من غلبة الدين ، وقهر الرجال ، قال : ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني ) . رواه أبو داود من حديث أب سعيد الخدري .

هذا رجل أحرجته الأيام ، وبدل أن يذهب إلي بيت واحد من الأغنياء يستجديه ، ويرقب الفرج عنده ، ذهب إلي بيت الله يرجو جداه ، وينتظر نداه ! فلم يجيب سعيه ولم يطل همه ..! كل هذا لما فيه من اتصال العبد المؤمن بخالقه جل وعلا ولما فيه من القوة الروحية التي يفتقر إليها الإنسان، واستمرار الصلاة في المسجد إمداد للجماعة الإسلامية بالقوى التي لابد منها لإصلاح المجتمع. من هنا نري النبي صلي الله عليه وسلم يؤكد على صلاة الجماعة في المسجد فيأمر بها ويحذر من التخلف عنها ، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : \” من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر \” أخرجه ابن ماجة وصححه الألباني .

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: \” لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا لي حزما من حطب ، ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم فأحرقها عليهم \” رواه مسلم . فالمسجد هو المدرسة التربوية الكبرى التي تتربى فيها الأمة كبيرها وصغيرها وهي الحصن الذي لا يستطيع عدو أن يخترقه ..

التربية الاجتماعية للمسجد :ــ

فمن المسجد نتآخى، ومن المسجد نتعارف، وفي المسجد نتعاون. نعرف أن فلاناً تخلف؛ فنسأل عنه، إن غائباً حفظناه في أهله، وإن مريضاً عدناه، وإن كان عليه مصيبة واسيناه.

ولذلك يقول الحسن: [لا يُعدَمُ مرتادُ المسجد خمساً: آيةً يفهما، أو حديثاً يتدبره، أو أخاً يستفيده، أو ذنباً يغفر له، أو حسنةً تكتب له].

 إي والله، وإذا لم تكن المساجد هي مزرعة الصالحات، فأي مكان تكون؟ وحري بالمسجد أن يقوم بدوره في بناء هذا المجتمع لأنه مركز التوجيه والإشعاع ومقر التخطيط لبناء المجتمع ومنبر الهداية والإرشاد لجميع من دخله من المسلمين دون تفريق بينهم. إن من أول ما دعا إليه الإسلام عدم التفرقة بين المسلمين فقيرهم وغنيهم، عربيتهم وعجميتهم، ولم يفضل أحداً على أحد إلا بقدر تقوى \”إن أكرمكم عند الله أتقاكم\”. 

وما من مكان يتجلى فيه هذا القانون الاجتماعي بصورة جلية مثل المسجد إذ يقف الجميع في صف واحد في الصلاة وقد ذابت وانصهرت جميع الفوارق التي تميز بعضهم عن بعض. إن وحدة المجتمع الإسلامي وتكاتفه وقوته مستمدة من أمور منها عدم التفريق بين الأجناس والطبقات والأعمار، لذا أصبح هذا المجتمع كالجسد الواحد إذا اشتكى فيه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

إن المسجد هو المكان الطبيعي الذي يجمع المسلمين لغرض واحد وبنية خالصة خلف إمام واحد لا يتخلفون عليه، هذا الاجتماع الذي يوحي بالتآلف والوحدة، هو السبيل إلى السيطرة على طبائع النفوس ونزعاتها فبداخل المسجد يتربى المسلم على تطهر نفسه وتصحيح عقيدته في القرب من ربه، سراً وعلانية، وفي داخل المسجد يتربى المسلم على الاتصال بإخوانه المسلمين والسؤال عنهم… وتقوية الروابط الاجتماعية بينه وبينهم مما يجعله يهتم بجميع شؤونهم، وفي اجتماع المسلمين في المسجد يشعر الجميع بالقوة والانتماء للجماعة مما يجعل الفرد منهم يشعر بالطمأنينة ويحس بالراحة النفسية والكرامة والأمان. وتتعمق روح التعاون وتقوى عرى التكافل في حياة المسلمين، وتنبثق الأخلاق الكريمة وتنتشر، بل وتتزايد في ظل الإخاء والتسامح والتساوي الذي يظهر أنه لا عنصرية ولا طبقية في الإسلام بل الجميع سواسية عند الله لا تفريق بينهم إلا بالتقوى. \” إن أكرمكم عند الله أتقاكم \” (الحجرات) آية 131 .

ولقد جعل النبي المسجد بمثابة مكتب للخدمة الاجتماعية وجميع التبرعات ومعاونة المحتاجين (إلى جانب أداء الصلاة فيه). \”حدث أن وفد عليه قوم عراة مجتابي النمار – أو القباء – متقلدي السيوف فتمعر وجهه – أي تغير – لما رأى ما بهم من الفاقة، فأمر بلال فأذن وأقام ثم صلى ثم خطب في الناس حاثاً لهم على رعاية الرحم وتقدير الخير، فانهالت التبرعات من الدنانير والثياب والبر والتمر حتى تكون كومان عظيمان من الطعام والثياب، فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم و أعطى القوم حتى سروا\”. ولقد وجدت في المسجد وفي مؤخرته على وجه التحديد \”الصفة\” يأوى إليها الغرباء والمعدمون ويجدون فيها الطعام والشراب والكساء والمبيت كما كانت الصفة هذه مكاناً لإقامة الذين حبسوا أنفسهم لطلب العلم. \”والصفة مكان مظلل في شمالي المسجد يأوى إليه فقراء المسلمين\”. 

ولهذا بقيت المجتمعات المسلمة قوية متماسكة في ظل الظروف حتى بعد أن اندثرت الدولة وانهارت النظم الإدارية التي كانت تنظم للناس أمور معاشهم لأن كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي يحمل في أعماق روحه روح الجماعة التي تفرض عليه مد يد العون لأخيه المسلم دون أن يسأله من هو أو من أين أو ما إلى ذلك، بل يسار إلى تفريج كربته لأنه يعلم أنه يدين بعقيدة التوحيد مثله سواء بسواء، ومن هنا جاءت عظمة هذا الدور الذي قام به المسجد.

 التربية الجهادية للمسجد:ــ

 فالمسجد هو القلعة الحصينة التي تربي الرجال والأبطال وتعدهم خير إعداد وفيها يقوم كيان الأمة الروحي قال تعالي (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ {108} التوبة. وقال تعالي (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ{36}‏ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ {37} لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ {38} النور.

من المسجد انطلق المجاهدون لمقاومة الغزاة والمحتلين . في المسجد يتربي المسلم علي النظام والسمع والطاعة والانضباط وتأمل هذا الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال( كان رسول يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليليني منكم أولوا الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم). ولقد كان المسجد الثكنة الأولى في الإسلام، ومقر القيادة العسكرية والحربية آنذاك. فقد اتخذ النبي من مسجده مقراً للقيادة، يعد فيه الخطط ويعقد مجالس الجهاد، ويصدر الأوامر وينصت إلى آراء المستشارين، وكان يحشد أصحابه في المسجد، ويشحنهم بطاقات مادية ومعنوية ويحرض المؤمنين على الثبات وينهاهم عن الفرار، ويحذرهم من الفرقة والنزاع، ويأمرهم بالطاعة والضبط ويشيع فيهم الألفة والنظام. وكانت الغزوات والسرايا تنطلق من المسجد وتعقد السرايات والأعلام، والبنود في المسجد للمجاهدين. ولم يكن دور المسجد مقصوراً على إعداد الجيش وتسييره وعقد الألوية والقيود على القادة. بل كان مكان استقبال الوفود التي تفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن من شئون الدولة أو إعلان الإسلام، أو طلب عقد معاهدة أو معونة.

\”وكان المسجد أشبه بقاعة الاستقبال الرسمية، مفتوحة ومهيأة لجميع الوافدين. وقد استقبل فيه النبي صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران\”. كما ساهم المسجد في بناء الجيش الإسلامي وعقد الألوية وحث المسلمين على الصبر وملاقاة العدو والحرص على إعلاء كلمة التوحيد، كذلك كان مركزاً ومقراً لإدارة شئون الدولة أو الولاية، وكان المنبر أشبه بالعرش، يلقى منه بيان الخليفة لسياسة الدولة ويلقي فيه خطبته الأولى ويبين فيها سياسته في الحكم. \”

وفي المسجد تذاع القرارات الهامة التي تتعلق بالصالح العام ويستقبل الخليفة السفراء ويدير شئون الدولة. ففي إذاعة القرار في المسجد ما فيه من الإذعان والطاعة لاتباعها لما للمسجد من مكانة سامية وقوية في نفوس المسلمين.

التربية الصحية للمسجد: ــ

لقد اعتنى الإسلام بالمسلمين من جميع نواحي الشخصية الإسلامية الروحية والعقلية والجسدية، ولقد ظهرت عنايته هذه بتوجيهاته وأهدافه التربوية التي اتصفت بالشمولية والتكامل والتوازن. فمن الأمور التي اهتم بها الدين الإسلامي \”النظافة\” في الملبس والبدن والمكان، وفي ذلك ما فيه من الصحة الجسدية من الأمراض والأوبئة وفيه من الصحة النفسية ما يجلب للنفس الراحة والطمأنينة والهدوء.

وفي النظافة استئناس الآخرين وعدم نفورهم لأن النفس تنفر من الأقذار والأدران أشد من نفورها من أي شيء آخر مهما عظم. \”ولقد اعتبر الإسلام النظافة من الإيمان. روي قول الرسول لأمته: \”تنظفوا فإن الإسلام نظيف\”. وأثنى القرآن على أهل مسجد قباء والمسجد النبوي بحرصهم على التنظف\” لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه. فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين\”.(التوبة : آية 108).

والصلاة ليست عبادة روحية فحسب، إنها نظافة وتطهر، وتزين وتجمل، اشترط الله لها تطهر الثوب والبدن والمكان من كل خبث مستقذرأوجب التطهر بالغسل والوضوء. قال تعالى :\” يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد\” (الأعراف:آية31). والمقصود عند تهيؤكم للصلاة لا بد أن تتزينوا.

ومن السنة أن يغتسل المصلي ويتطيب ويلبس أحسن ما عنده ولا يمضي إلى المسجد في ثياب مهنته، خاصة إذا كانت مهنته تترك أثراً في الثياب. \”كما استحب للمصلي أن يتسوك عند كل صلاة: \” السواك مطهرة للفم مرضاة للرب\” ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \”ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي\”.(رواه ابن ماجه).

في المسجد يتربي المسلم علي النظافة والطهارة الحسية والمعنوية ويحمله علي أخذ زينته عند الذهاب إلي المسجد .قال تعالي(يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ {31} الأعراف. قال ابن عباس رضي الله عنهما كان رجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة والزينة اللباس وهو ما يواري السوءة وما سوي ذلك من جيد البز والمتاع فأمرهم أن يأخذ زينتهم عند كل مسجد..

الصحة النفسية :ــ

وهناك جانب نفسي يعود على المسلم من التردد على المسجد وفي داخل المسجد وقيل هذا أثناء تأهب المصلي للذهاب إلى المسجد وفي الصلاة راحة نفسية عظيمة مما يختلج في النفس من الهموم.

\”ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة\”. والصلاة التي تذهب الهم والحزن ويجد فيها المصلي الراحة النفسية التي ينشدها من همومه وضيق صدره إنما هي الصلاة التي تتم بخشوع وتضرع إلى الله بعد اكتمال شروطها وواجباتها حتى يصل العبد إلى درجة الاتصال، بخالقه، قال تعالى: \”ألا بذكر الله تطمئن القلوب\”. (الرعد : آية 28).

 وذكر الله له أثر كبير في تربية النفس وتعديل السلوك، فالذي – يذكر الله ويتصور عظمته وجلاله يخشع قلبه ويحسب لملاقاته كل حساب فلا يصدر عنه من الأفعال إلا كل خير، ومن ذلك لا يتسرب إلى نفسه القلق والاكتئاب وما شابه ذلك من الأمراض النفسية.

التربية التثقيفية للمسجد:ــ

كان المسجد أعظم معاهد الثقافة لدراسة القرآن والحديث والفقه واللغة وغيرها من العلوم، وأصبح كثير من المساجد مراكز هامة للحركة العلمية، وانصرف بعض فقراء المسلمين لطلب العلم في المسجد النبوي الشريف حيث بنى الرسول الصفة \” وهي مكان مظلل في شمالي المسجد يأوي إليه فقراء المسلمين الذين حبسوا أنفسهم لطلب العلم\”.

 ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجلس في المسجد النبوي بالمدينة لتعليم المسلمين أمور دينهم وتبصيرهم عاقبة أمرهم حتى كان مجلسه تنافساً بين الصحابة رضوان الله عليهم، كلهم يبغي السبق إلى حضور هذا المجلس العلمي والظفر بالإنصات إلى الدروس النبوية.

\”فكان المسجد أول مدرسة جماعية منظمة عرفها العرب لتعليم الكبار والصغار ولتربية الرجال والنساء. ومن هنا نرى أن المسجد لم يكن للصلاة فقط بل كان إلى جانب أداء الصلاة مكاناً للتعليم و مدارسة القرآن الكريم وتفهم معانيه على يدي رسول الله عليه السلام وأصحابه الذين تعهدوا هذا العمل النبيل من بعده وحرصوا على استمرار رسالة المسجد العلمية ابتغاء وجه الله واتباعاً لسنة الرسول المعلم والمربي صلى الله عليه وسلم.

العنصر الثالث :ــ آداب المسجد :ـ

1ـ الدعاء عند الخروج إلى الصلاة:ــ

جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (رقدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستيقظ فتسوك وتوضأ، وهو يقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [آل عمران:190] ، فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، فأطال فيهن القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات، ستة ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً) رواه مسلم . فهذا يدل على مشروعية هذا الدعاء، وقد كان عليه الصلاة والسلام كما نقله ابن عباس ، قاله عند الخروج إلى صلاة الفجر بعد قيام الليل، فينبغي فعله. 

وأيضاً من الأدعية: الدعاء للخروج من البيت؛ سواء للمسجد أو لغير المسجد، وهو: (اللهم إني أعوذ بك أن أَضِل أو أُضَل.. ). و\” أعوذ بالله العظيم ،وبوجهه الكريم ،وسلطانه القديم ،من الشيطان الرجيم \” أبو داود وانظر صحيح الجامع . وعند دخول المسجد عليه بالدعاء\” بسم الله ،والصلاة والسلام على رسول الله ،\” اللهم افتح لي أبواب رحمتك\” رواه مسلم وعند الخروج من المسجد (بسمِ الله وَالصّلاةُ وَالسّلامُ عَلى رَسولِ الله، اللّهُـمَّ إِنّـي أَسْأَلُكَ مِـنْ فَضْـلِك، اللّهُـمَّ اعصِمْنـي مِنَ الشَّيْـطانِ الرَّجـيم. رواه مسلم وابن ماجه .

2 ـ تقديم الرجل اليمنى عند الدخول:ــ

لما جاء عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى)، أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم .

3 ـ تجنب الرائحة الكريهة :ــ

لقد نهي النبي صلي الله عليه وسلم عن أكل الثوم والبصل وما له رائحة كريهة، فقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الثُّومِ و قَالَ مَرَّةً مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ)) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وأحمد].

4 ـ أن يمشي إليها بسكينة ووقار:ــ

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) رواه البخاري ومسلم وفي رواية: (إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن أُتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة؛ فهو في صلاة)، وفي رواية: (ولكن يمشي وعليه السكنية والوقار) .

 فعلى المصلي أن يخرج بسكينة ووقار ويجتنب العبث، ولا يتكلم بالكلام القبيح، والكلام الباطل أو الكلام الذي لا فائدة فيه، فلا مكان في المسجد للغيبة والنميمة والكذب، وإذا كانت هذه الأشياء محرمة خارج المسجد؛ فهي في المسجد أشد تحريماً، وكل كلام لا فائدة فيه ينبغي أن ينزه المسجد عنه، وهذه السكينة والوقار مأمور بها عموماً، وكذلك منهي عن الإسراع عموماً، لا فرق بين أن يخاف فوات تكبيرة الإحرام، أو يخاف فوات الركعة، أو يخاف فوات الصلاة بالكلية.

5 ـ صلاة ركعتين قبل الجلوس :ــ

إذا دخل المسلم المسجد لا يجلس مباشرة دون أن يفعل شيئاً وإنما أمر بشيء يعظم به بيت الله تعالى، ويكرم موضع العبادة ألا وهو تحية المسجد؛ لأن الداخل يبتدئ بهما كما يبتدئ الداخل على القوم بالتحية، ولذلك سميت تحية المسجد: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) . 

وليس للمسلم أن يدخل المسجد ثم يخرج منه قبل أن يصلي فيه وأن يكون هادئا خفيض الصوت علي وضوء روي البخاري رحمه الله بسنده عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل نفر ثلاثة فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد قال فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه .

6ـ يحرم رفع الصوت،ويحرم السؤال في المسجد ويكره إعطاء السائل فيه شيئا، وكراهة نشد الضالة ،وكراهة البيع والشراء :ــ 

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم من سمع رجلا ينشد ضالته في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا \”رواه مسلم. وعنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال :إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا له لا أربح الله تجارتك \”رواه مسلم.

وعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعٌ فِي الْمَسْجِدِ ،إِذَا رَجُلٌ يَحْصِبُنِي ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : اذْهَبْ إِلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ ، فَائْتِنِي بِهِمَا ، فَذَهَبْتُ فَأَتَيْتُهُ بِهِمَا ، فَقَالَ لَهُمَا عُمَرُ : مِمَّنْ أَنْتُمَا أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا ؟ قَالا : مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ ، قَالَ \” لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ ، لأَوْجَعْتُكُمَا ضَرْبًا ، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \” رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ

7ـ الحرص علي نظافة المسجد:

تربية النشء علي نظافة المسجد ومساعدة خادم المسجد في نظافته وربط الشباب بإدارة المسجد وذلك لما له من أجر عند الله عز وجل. ففي نظافة المسجد وكنسه والتقاط الخرق والعيدان والقذى منه .روى الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أسود أو امرأة سوداء كان يقم المسجد فمات فسأل النبي صلي الله عليه وسلم عنه فقالوا مات قال (أفلاكنتم آذنتموني به دلوني علي قبره أو قال قبرها فأتي قبره فصلي عليه).

8 ــ عدم الإسراف في تزيين المساجد :ــ

والمسجد في الإسلام لا بد فيه من البساطة مع النظافة لأن زخرفة المساجد والإسراف في بنائها من علامات ‏الساعة، فقد روى الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \” لا ‏تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد\”.‏ وقال البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة، باب بنيان المساجد: ( قال أنس: ‏يتباهون، ثم لا يعمرونها إلا قليلاً، فالتباهي بها: العناية بزخرفتها. 

قال ابن عباس: ‏لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى).‏ وقد جاء وعيد شديد على هذه الزخرفة، وهو فيما رواه الحكيم الترمذي عن أبي ‏الدرداء رضي الله عنه قال: \” إذا زوقتكم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار ‏عليكم\” قال الألباني في صحيح الجامع: إسناده حسن.‏

العنصر الخامس :ــ كيفية تفعيل رسالة المسجد :ــ

1 ـ عقد الدروس الشرعية والدورات العلمية: ـ

ومما يدل على أن المسجد كان مهد مثل هذه الدروس العلمية ، قصة أبي هريرة رضي الله عنه حين مر بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: \”يا أهل السوق! ما أعجزكم! قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم ها هنا! ألا تذهبون فتأخذوا نصيبكم منه! قالوا: وأين هو؟

 قال: في المسجد. فخرجوا سراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟

 فقالوا: يا أبا هريرة! قد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نرَ فيه شيئاً يُقْسَم، فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحداً؟ 

قالوا: بلى! رأينا قوماً يصلون، وقوماً يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام. فقال لهم أبو هريرة: ويحكم! فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم\” رواه الطبراني في الأوسط، وحسنه الألباني

. 2ـ تربية النشء في المساجد:ــ

فإذا ارتبط الشاب منذ صغر سنه بالمسجد شب على ذلك وكبر عليه وصار المسجد بالنسبة له مأوي يأوي إليه وملاذا يطمئن فيه قلبه .

 وينشأ ناشئ الفتيان منا علي ماكن عوده أبوه .

3ـ تفعيل مكتبة المسجد .

 4 ـ العناية بمصليات النساء: ويشمله كل ما يشمل مصلى الرجال، مع مراعاة الفوارق الشرعية.

 5ـ العناية بإذاعة المسجد .

 6ـ نشرة دورية باسم المسجد .

الخاتمة :ــ

أيها المؤمنون :ــ

 أحب أن أؤكد أن المسجد جزء هام بل من أهم مكونات المجتمع المسلم ، ولا يستطيع هذا المجتمع أن يؤدي وظيفته في الحياة والأحياء إلا بالمساجد . وإذا أصبح المسجد علي نحو ما تصورنا أو علي نحو أمثل منه وأحسن فإن المتوقع بل الأكيد أن تكون حال المجتمع المسلم كله علي النحو الأحسن وعلي الصورة الأمثل . وإذا كانت الأمة الإسلامية تشكو الآن من انحراف الشباب فيها عن جادة الإسلام فإن عودة هؤلاء الشباب إلي الجادة وتربيتهم علي الإخلاق الإسلامية السوية لإنما يبدأ من المسجد. 

وإذا كان للأمة الإسلامية مشكلات تعترضها من أي نوع كانت هذه المشكلات فإن أسلوب التغلب علي هذه المشكلات إنما يبدأ من المسجد. ويكفي أن أذكر بأن أول عمل وأهم عمل قام به النبي صلي الله عليه وسلم في المدينة بعد أن انتقل إليها وأسس فيها أول دولة لإسلامية عرفتها البشرية هو أن بني المسجد ومنه كان الإنطلاق . 

فيجب أن نعلم جيدا أن الأمة لن تسعد ولن تفوز إلا إذا عادت إلي المسجد وأعادت إليه رسالته من جديد وأدى دوره في حياة الناس مرة أخري ( أطفالا،وشبابا، وشيوخا ،ونساء..) كما كان من قبل . فاللهم إنا نسألك أن تعيدنا إلي المسجد وتردنا إليه ردا جميلا…

اللهم آمين..


=================
رابط doc
رابط pdf