16 مارس 2017

ظاهرة الانتحار وموقف الإسلام منها



ظاهرة الانتحار وموقف الإسلام منها 


الحمد لله شافي الصدور ، وقاضي الأمور ،باعث الأمل في نفوس عباده المؤمنين، وناشر رحمته بين عباده الموحدين فقال تعالي (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)الشوري. 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. له الملك وله الحمد وهو علي كل شئ قدير..ذم اليأس والقنوط في القرآن الكريم واعتبرهما من لوازم الكفر والضلال فقال تعالي علي لسان نبيه يعقوب عليه السلام (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (يوسف: 87)
وقال علي لسان نبيه إبراهيم عليه السلام (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) (الحجر: 56).

وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه أَُنزل عليه الكتاب شفاءً لما في الصدور،ورحمة للناس أجمعين .. ربي الأمة علي الأمل واليقين في الله تعالي فعن عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ("إن الله عز وجل بقسطه جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك" مسند الشهاب.
 فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلي يوم الدين ...

 أما بعد :ـ فيا أيها المؤمنون .. 

 لقد ابتليت الأمة بنكبات كثيرة علي مر الدهور والأزمان حتى إلي يومنا هذا ... وأشد أنواع النكبات التي قد تبتلي بها الأمة أن يتسرب اليأس إلي القلوب وتتفرغ القلوب من الأمل واليقين ،فيتخلص المرء من حياته عن طريق الانتحار ، ولقد ظهر في الآونة الأخيرة في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية جريمة تعد من أبشع الجرائم علي الإطلاق وهي جريمة الانتحار .
 لذلك كان موضوعنا اليوم حول هذه الجريمة ويتناول هذه العناصر الرئيسية التالية :ــ

 1ـ تعريف الانتحار .

 2ـ أعراض الانتحار.

 3ـ أسباب الانتحار .

 4ـ موقف الإسلام من الانتحار . 

 5ـ علاج ظاهرة الانتحار . 

 6ـ الخاتمة . 
=================
 العنصر الأول :ـ تعريف الانتحار :ـ 

الانتحار هوقتل الإنسان نفسه ، أو إتلاف عضو من أعضائه أو إفساده أو إضعافه بأي شكل من الأشكال مثل الشرق ،أوالحرق أوتناول السموم ،أو تناول جرعة كبيرة من المخدرات ، أوالقاء نفسه في النيل، أو قتل نفسه بمأكول أو مشروب، وذلك لأسباب يعتقد صاحبها معها بان مماته أصبح أفضل من حياته .

 العنصر الثاني :ـ أعراض الانتحار:ـ 

هناك بعض العلامات التي تظهر علي الشخص الذي يقدم علي الانتحار من أهمها :ــ
 1 ـ الاكتئاب:ـ
 والذي يعني (الشعور بالحزن الشديد والتعاسة، والإحباط، والعجز وعدم القيمة، واليأس من الحياة ومن تغيّر الواقع).
 2 ـ التغيرات المفاجئة في السلوك:ـ
مثل التغير في نمط النوم أو نمط الطعام، والإهمال في الدراسة أو العمل، إهمال الشخص لعلاقاته الاجتماعية ولمظهره الخارجي، التحدث عن الانتحار والموت بصورة غريبة، فقد الاهتمام بالأنشطة المعتادة والانسحاب منها، فقد المتعة في الأمور المحببة له، التحدث عن فقد الأمل والشعور بالذنب أو اليأس، نقد الذات، القلق النفسيّ، الخمول، السوداوية، الانعزال والانطواء، الحقد على المجتمع، الشكوى من الصداع، قلة التركيز، التخلّص من المقتنيات الشخصيّة الثمينة )
3ـ تعاطي المخدرات والمسكرات.
 4 ـ القيام بأعمال المخاطرة المبالغ بها كالقفز من مكان مرتفع، أو عبور الطريق وسط سير كثيف أو مسرع .
 5ـ الامتناع عن أخذ دواء ضروري كالأنسولين مثلا .
 6 ـ محاولة فاشلة أو أكثر في تجربة الانتحار .
 إن وجود أيٍّ من هذه العلامات يستحق الاهتمام من قبل الآخرين كالوالدين أو المقربين، وإن وجود عدد منها يعتبر مؤشرًا واضحًا على أن الشخص في خطر وعلينا إدراكه.
 إن الذين يعانون من اضطرابات انفعالية يؤذون أنفسهم بشكل أكبر وأشدّ قسوة. فلا يجب على الوالدين التهاون بأي من حالات إيذاء النفس لأنها قد تتطور إلى تفكير جديٍّ في الانتحار.

العنصر الثالث:أسباب الانتحار:ــ

حوالي 35% من حالات الانتحار ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية كـالإكتئاب والفصام و الإدمان. و65% يرجع إلى عوامل متعددة مثل التربية وثقافة المجتمع والمشاكل الأسرية أو العاطفية والفشل الدراسي والآلام والأمراض الجسمية أو تجنب العار أو الإيمان بفكرة أو مبدأ مثل القيام بالانتحاري.

وهذه بعض الأسباب التي تؤدي إلي الانتحار :ـــ 
 1 ـ ضعف الوازع الديني عند الإنسان ، وعدم إدراك خطورة هذا الفعل الشنيع والجريمة الكُبرى التي يترتب عليها حرمان النفس من حقها في الحياة ؛ إضافةً إلى التعرض للوعيد الشديد والعقاب الأليم في الدار الآخرة .

 2 ـ عدم اكتمال المعنى الإيماني في النفس البشرية: إذ إن الإيمان الكامل الصحيح يفرض على الإنسان الثقة واليقين في الله تعالي،و الرضا بقضاء الله تعالى وقدره ، وعدم الاعتراض على ذلك القدر مهما بدا للإنسان أنه سيءٌ أو غير مرضِ . 
ولا شك أن الانتحار لا يخرج عن كونه اعتراضاً على واقع الحال ودليلاً على عدم الرضا به .
وغلبة الظن الخاطئ عند المنتحر أنه سيضع بانتحاره وإزهاقه لنفسه حداً لما يعيشه أو يُعانيه من مشكلاتٍ أو ضغوطٍ أو ظروف سيئة ، وهذا مفهومٌ خاطئٌ ومغلوطٌ وبعيدٌ كل البُعد عن الحقيقة .

 3 ـ الجهل والجزع وعدم الصبر ، والاستسلام لليأس والقنوط وما يؤدي إلى ذلك من الهواجس والأفكار والوساوس.

4ـ المشاكل الاقتصادية: كالفقر، والبطالة وعدم الحصول على المهن اللازمة على الرغم من الشهادات والمؤهلات، أو فقدان المهنة أو المنزل... وقد أعربت منظمة الصحة العالمية عن خشيتها من أن تؤدي الأزمة الاقتصادية العالمية إلى ارتفاع حالات الانتحار خاصة بعد إقدام بعض رجال الأعمال على الانتحار..

5 ـ الانفتاح الإعلامي والثقافي غير المنضبط الذي نعيشه في مجتمعنا المعاصر: الأمر الذي دعا إلى تقليد الآخرين والتأثر بهم في كل شأنٍ من شؤونهم ، وهو أمرٌ غيرُ محمودٍ لما فيه من ضياع الهوية واستلابها .

6 ـ المشاكل الأسرية واحترام الذات :ـ قد تؤدي الصراعات الأسرية المتكررة أو الشديدة بين أفراد الأسرة وبالأخص الوالدين، وكذلك عيش الطفل أو المراهق مع زوجة أب قاسية او زوج أمّ قاسٍ، أو تعرض الطفل للضرب والإيذاء أو الحرمان العاطفي بشكل متكرر، أو الإهمال للطفل وحاجته النفسية والجسدية، أو تعرّض المراهق للنقد المستمر أو الاستهزاء وعدم احترام ذاته ومشاعره، وتعليم الوالدين المتدني، وحالات الاغتصاب للنساء.. قد تؤدي جميعها إلى الوصول إلى حالة اكتئاب شديدة ومن ثم التفكير في الانتحار والتخلّص من الحياة.

7 ـ الفشل: يعد الفشل المالي كالفشل في سداد الالتزامات المالية أو التعرض للخسائر، أو الفشل العاطفي، أو الفشل الدراسي، أو الفشل الاجتماعيّ، أو الفشل المهني كتأمين وظيفة كريمة والمحافظة عليها، أحد الأسباب الرئيسيّة المؤدية للانتحار، وقد أظهرت الدراسات الدولية أن 60 % من حالات الانتحار كانت بسبب الفشل.

8 ـ الشعور بالذنب أو الوحدة: ويُعتبر هذا سببًا رئيسيٍّا في الانتحار وهو الشعور بالذنب والرغبة في عقاب الذات، أو الشعور بالوحدة والاعتقاد بأن العالم لا يفهمه ولا أحد يشعر به، وبسبب عدم القدرة على توجيه العقاب للآخرين فيوجه العقوبة لذاته، وتكثر هذه الحالة عند المراهقين وغير الناضجين فكريًا أو المضطربين نفسيًا.

9 ـ المشاكل الصحية الخطيرة: فالحالة الصحية لها علاقة مباشرة بالاكتئاب والانتحار، فالمرضى المصابون بأمراض مستعصية الشفاء كالإيدز والسرطان، أكثر إقبالا على الانتحار، وتتراوح نسبتهم بين 15- 18% من بين المنتحرين، أما المدمنون على الكحول والمخدرات فتصل نسبة انتحارهم إلى 15% وفق إحصائيات في المجتمع المصري.

العنصر الرابع :موقف الاسلام من الانتحار:ـ

هذا العمل كبيرة من كبائر الذنوب ، وقتل النفس ليس حلاً للخروج من المشاكل التي يبثها الشيطان ، والوساوس التي يلقيها في النفوس ، ولو لم يكن بعد الموت بعث ولا حساب لهانت كثير من النفوس على أصحابها ، ولكن بعد الموت حساب وعقاب ، وقبر وظلمة ، وصراط وزلة ، ثم إما نار وإما جنة . ولهذا جاء تحريم الانتحار بكل وسائله من قتل الإنسان نفسه ، أو إتلاف عضو من أعضائه أو إفساده أو إضعافه بأي شكل من الأشكال ، أو قتل الإنسان نفسه بمأكول أو مشروب .
ولهذا جاء التحذير عن الانتحار بقول ربنا جلت قدرته وتقدست أسماؤه حيث قال : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً }(النساء 29 ،30) ،
وقال تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } (البقرة195) .
 وقال تعالى : "وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)الفرقان .
وكذلك جاء التحذير في سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن شرب سماً ، فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا " ( رواه مسلم) .
 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخنق نفسه يخنقها في النار والذي يطعنها يطعنها في النار " ( رواه البخاري ). 
 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الإسلام هذا من أهل النار فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال وكثرت به الجراح فأثبتته فجاء رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت الذي تحدثت أنه من أهل النار قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال فكثرت به الجراح فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما إنه من أهل النار فكاد بعض المسلمين يرتاب فبينما هو على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته فانتزع منها سهما فانتحر بها فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله صدق الله حديثك قد انتحر فلان فقتل نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " ( رواه البخاري ). 
 وعن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من خنق نفسه في الدنيا فقتلها خنق نفسه في النار ومن طعن نفسه طعنها في النار ومن اقتحم فقتل نفسه اقتحم في النار "( رواه ابن حبان ).
وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ) رواه البخاري ( 5700 ) ومسلم ( 110 ).
وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات . 
قال الله تعالى : بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ) [رواه البخاري ومسلم].

هذه عاقبة الانتحار والعياذ بالله ، ويجب على المسلم أن يعلم أن الانتحار فيه تسخط على قضاء الله وقدره ، وعدم الرضا بذلك ، وعدم الصبر على تحمل الأذى ، وأشد من ذلك وأخطر وهو التعدي على حق الله تعالى ، فالنفس ليست ملكاً لصاحبها وإنما ملك لله الذي خلقها وهيأها لعبادته سبحانه ، وحرم إزهاقها بغير حق ، فليس لك أدنى تصرف فيها ، وكذلك في الانتحار ضعف إيمان المنتحر لعدم تسليم المنتحر أمره لله وشكواه إلى الله .
 ما كان الانتحار علاجاً ولن يكون ، فالانتحار حرام بكل صوره وأشكاله ، وليس دواءً يوصف للمعضلات والمشكلات ، بل داء يسبب الانتكاسة والحرمان من الجنة ، ويجلب سخط الرب تبارك وتعالى ، قال صلى الله عليه وسلم : " تداووا ولا تداووا بحرام " ، وقال عليه الصلاة والسلام : " ما جعل الله شفاءكم فيما حرم عليكم " .

العنصر الخامس:علاج ظاهرة الانتحار:ــ 

 1 ـ التربية الإسلامية الشاملة الواعية:ـ 

إن العودة إلى الدين أو التدين هي أفضل وسيلة للحماية من كل الأمراض النفسية التي تعاني منها البشرية جمعاء, كما أن العودة للدين الإسلامي الحنيف هي العلاج الأفضل للحماية من هذه الأخطار التي تتهدد مجتمعاتنا وقيمنا. والتربية الإسلامية الشاملة تتلخص في ثلاثة أهداف رئيسية :ــ
أ ـ وهو تمكُّن واستحكام اليقظة من القلب، فلا نريد يقظة لحظية، بل نريدها يقظة حقيقية دائمة تتمكن من القلب لتبدأ معها الحياة تدب في جنباته .
ولقد أجمل آثارها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن علامات دخول النور القلب فقال : « الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله ) الطبري والبيهقي .
 ب ـ ولادة القلب الحي:
هذا الهدف لا يمكن الوصول إليه إلا باستمرار تزويد القلب بالإيمان بعد تمكُّن اليقظة منه، والمقصود بولادة القلب الحي : أي تحرره من أَسر الهوى وانفصاله عنه.
أوبمعنى آخر : انقطاع الحبل الذي يجمع العلائق التي كان القلب مُتعلقًا بها من دون الله كالمال والجاه والناس، التي تحول بينه وبين التعلق التام بالله عز وجل، والالتزام به، والتوجه الدائم نحوه . 
هذه الولادة تتم عندما يعلو النور في القلب على الظلمة بصورة كبيرة.
ومن علامات حدوثها: 
رقة القلب وسرعة تأثره بالمواعظ، وهبوطه وخشوعه وسجوده لله، وسهولة استدعائه إذا أراد صاحبه استحضاره،
ومن آثارها كذلك : تحسن ملحوظ في علاقات المرء المختلفة، فيزداد قربه من ربه، وتعلقه به، وتنقص رغبته في الدنيا بصورة ملحوظة، ويقل طمعه في الناس، ويزداد تشميره نحو الجنة ...
ومن آثارها كذلك : راحة البال والشعور بالسكينة والطمأنينة والسلام الداخلي .

 ج ــ الحضور القلبي الدائم مع الله، والتعلق الشديد به سبحانه أو بمعنى آخر : تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن الإحسان فقال : « أن تعبد الله كأنك تراه »». متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم.
وهذا يحدث إذا ما استمر الإمداد الإيماني للقلب، فيزداد فيه النور، حتى يصير قلبًا سليمًا أبيضًا. والشعور الدائم برقابة الله تعالى ، فالذي يؤمن بالله يعلم ما توسوس به نفس الإنسان ، وإنه محص عليه كل أعماله صغيرة كانت أم كبيرة ومحاسبه على ما يقدم ، لن يجرؤ على الإقدام على غير ما يرضي الله من أقوال أو أفعال ، وسيكون في حذر دائم ويقظة لا تغفل عن المحاسبة.
ومن آثار ذلك : خضوع المشاعر والسلوك في مجمله لله عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلم : « من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان » (حديث صحيح : أخرجه أبو داود ، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع.
 وقال صلي الله عليه وسلم: « لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه » حديث صحيح : أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد وقال الهيثمى : إسناده حسن.وأخرجه أيضًا : أحمد ، قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات. 
ومن آثارها كذلك : التعامل مع أحداث الحياة وتقلباتها المختلفة تعاملًا إيمانيًّا كما قال صلى الله عليه وسلم : « عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير ولا يكون هذا إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ».رواه مسلم .
والقلب في هذه المرحلة العظيمة يعيش في سعادة عظيمة وعلاقة متينة مع ربه .. فهو شاكرٌ لأنعمه، صابرٌ على بلائه، راضٍ بقضائه، مطمئنٌ بذكره، في شوق دائم إليه وتوجه مستمر نحوه . و تتسع الحياة عنده لتشمل الآخرة ، ويكون له منها غاية وهدف يسعى لتحقيقه ويسعد بذلك كما عبر ربعي بن عامر التميمي رضي الله عنه : ( إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها- ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ).
 أما الشخص الذي لا يؤمن بحياة أخرى فإنه يسابق السنوات القليلة المحدودة التي يعيشها في الدنيا ، ويسيطر عليه شعور الضيق والقلق والاضطراب كلما تقدم به العمر وقصرت به طموحاته وآماله ، وغالبا ما يكون أمثال هؤلاء عرضة للأمراض النفسية والعصبية ، والإصابة بأنواع الاكتئاب النفسي والقلق والانتحار ، لأنه حصر الوجود كله في هذه الحياة الدنيا فإن فشل فيه أو عجز عن القيام بما يسعى له فقد قيمة الحياة والوجود بأسره .

ــ ألا فليعلم المربون أن غياب الإيمان هو سبب الشقاء والنكد الذي نعيشه اليوم ليس أبدا قلة ذات اليد والضعف والظلم هم السبب الأول في كل هذه المشاكل لذلك وصف لنا النبي صلي الله عليه وسلم هذه النفسية المعذبة قال: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" (رواه الترمذي من حديث أنس، وروى ابن ماجه وغيره قريباً منه من حديث زيد بن ثابت).
 والمثال علي ذلك :ـ
 نري ونسمع من قديم أن أكثر البلاد انتحارا هي البلاد التي ارتفع فيها مستوى المعيشة، وتيسرت فيها لأبنائها مطالب الحياة المادية، من مأكل ومشرب، وملبس ومسكن ومركب، مع كماليات كثيرة. في إحدي الدول الكبري كان المواطن فيها يعيش في مستوي من الرفاهية يشبه الأحلام ، ومع هذالمستوي من المعيشة العالي من ناطحات السحاب، ومراكب الفضاء، وتدفق الذهب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ....،.. 
كان الناس يحيون حياة قلقة مضطربة، كلها ضيق وتوتر، وشكوى وسخط، وتبرم ويأس. ونتيجة هذا أن يهرب الناس من هذه الحياة الشقية النكدة. عن طريق «الانتحار» الذي يلجا إليه الألوف من الناس، تخلصاً مما يعانونه من عذاب نفسي أليم. وانتهى الباحثون والمحللون إلى أن السر وراء هذا الشقاء يرجع إلى أمر واحد هو فقدان «الإيمان» أي إيمان.
وأمريكا أغنى بلد في العالم، لم يحقق الغنى لأبنائه السعادة على الرغم ورأينا من مفكريهم من يقول: "إن الحياة في نيويورك غطاء جميل لحالة من التعاسة والشقاء!".

2 ـ إعلاء منظومة القيم الإسلامية :ـ


قيام المؤسسات التربوية بدورها من أجل إعلاء منظومة القيم الإسلامية العالية لأنها تشمل جميع مظاهر النشاط الحيوي للفرد والمجتمع ، فهي تضبط الفرد وتوجه فكره وسلوكه إلي ما يعود عليه بالخير وتحفزه إلي الارتقاء بنفسه وتحقيق إنسانيته ، وهي التي تعطي المجتمع ملامحه الحقيقية وتضبط حركته وترسم له وجهته وغايته . فإذا تجردت الحياة البشرية منها لم تعد حياة انسانية أبدا فأي كرامة لحياة لا تصان بالتقوي والأمانة ، وأي قيمة لاجتماع بشري لا تسوده الرحمة والتكافل أو نظام سياسي لا يقوم علي أساس العدل والشوري . والقيم مثل العلم والعمل والحرية والصدق والأمانة والصبر والوفاء والعطاء ، والقدوة ،والحب ...........الخ . 
والعمل على تطبيقها في واقعنا المعاصر لما تُقدمه من حلولٍ ناجحةٍ لجميع المشكلات والظواهر السلبية في المجتمع .

 3 ـ حملات التوعية المجتمعية :ـ 

زيادة الجرعات التوعوية اللازمة لأفراد وفئات المجتمع عن طريق مختلف الوسائل الإعلامية والتعليمية ؛ لبيان خطر جريمة الانتحار وبشاعتها وما يترتب عليها من نتائج مؤسفة وعواقب وخيمة سواءً على الفرد أو المجتمع .
وعمل برامج تأهيلية علاجية تتشارك فيها الأسرة والمدرسة مع المعالِج النفسي، للنهوض بشخصية المصاب والتركيز على الجوانب الإيجابية لديه، ومساعدته على القيام بدوره في المجتمع، ومتابعته وتحسين ما يمكن تحسينه في محيطه الاجتماعي كتقليل الصراعات الأُسريّة.

4ــ إحياء الروح المعنوية عن طريق بث الأمل في النفوس:ـ 

لقدحرم الله تعالي اليأس المؤدي إلي الانتحار،وندد باليائسين واعتبره قرين الكفر فقال تعالي (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) يوسف 87. 
وندد بالقنوط واعتبره قرين الضلال فقال تعالي ( قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) الحجر56.
وأجمع العلماء أنهما من الكبائر بل أشد تحريما، وجعلهما القرطبي في الكبائر بعد الشرك من حيث الترتيب .
 قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (الكبائر أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأْس من روح الله، والأمن من مكر الله) . وقال العدوي: (الإياس من الكبائر) .
 واليأْس فيه سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى:فقال تعالي ( وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا[الإسراء: 83] .
واليأس سبب لفساد القلب.
قال ابن القيم وهو يعدد الكبائر: (الكبائر: القنوط من رحمة الله، واليأْس من روح الله..، وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريمًا من الزنا، وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظاهرة، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها، والتوبة منها، وإلا فهو قلب فاسد، وإذا فسد القلب فسد البدن).
 والأمل توأم الإيمان ، قال تعالي (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر :53)،
وقد فتح جميع الأبواب أمامك واسمع إليه سبحانه وتعالي في الحديث القدسي الجليل فقد روى الترمذي وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: قال الله: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيك بقرابها مغفرة. 
هذا خطاب الله لعباده فإذا كنت عبدا من عباد الله فهذا النداء يخصك فلا يتسرب اليأس إلي قلبك فيدخل معه الكفر والعياذ بالله .
 ولقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم على الذين ينفّرون الناس، ويضعون الناس في موقع الدونية والهزيمة النفسية فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه " إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم "

عباد الله:ـ ما أحوجَنا ونحن في هذا زمن الفتن والغموض إلى عبادة الأمل. فمن يدري؟! ربما كانت هذه المصائب بابًا إلى خير مجهول، ورب محنة في طيها منحة، أوليس قد قال الله: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) (البقرة:216)؟!
وقال تعالي ( فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء :19). 
فلقد ضاقت صدور كثير من العباد اليوم بسبب كثرة الماديات ، ومشاهدة الفضائيات ، والإسراف في المحرمات والسيئات ، والاقتصاد في الطاعات والحسنات ، فحصلت تلك الآهات ، وكثرت تلك الصرخات ، بل وحصل أدهى من ذلك وأمر ، فصارت الوسوسة حتى أن البعض يفكر كيف يتخلص من نفسه جراء الضيق والحسرة والوحشة التي يعيشها ، فلا طعم للحياة عنده ، ولا هدف ولا غاية يرى أنه من أجلها خلق .
 فلابد من الأمل، فالأمل إذن هو إكسير الحياة، ودافع نشاطها، ومخفف ويلاتها، وباعث البهجة والسرور فيها.
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل! والأمل قبل ذلك كله شيء حلو المذاق، جميل المحيا في ذاته، تحقق أو لم يتحقق.
الأمل دافع للتقدم والنجاح:ـ لابد منه لتقدم العلوم، فلو وقف عباقرة العلم والاختراع عند مقررات زمنهم ولم ينظروا إلا إلى مواضع أقدامهم، ولم يمدهم الأمل بروحه في كشف المجهول، واكتساب الجديد من الحقائق والمعارف، ما خطا العلم خطواته الرائعة إلى الأمام ووصل بالإنسان إلى القمر.
 والأمل لابد منه لنجاح الرسالات والنهضات، وإذا فقد المصلح أمله فقد دخل المعركة بلا سلاح يقاتل به، بل بلا يد تمسك بالسلاح، فأنى يرتقب له انتصار وفلاح؟
 وإذا استصحب الأمل فإن الصعب سيهون، والبعيد سيدنو، والأيام تقرب البعيد، والزمن جزء من العلاج.

 صور مضيئة علي طريق الأمل:ـ 

هَذا سيدنا إبراهيمُ- عليهِ السلامُ - 
قَدْ صارَ شَيْخاً كبيراً ولَمْ يُرْزَقْ بَعْدُ بِوَلَدٍ فيدفَعُهُ حُسْنُ ظَنِّهِ بربِّهِ أنْ يَدْعُوَهُ: " رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ " ( الصافات: 100)،
فاستجابَ له ربُّهُ ووَهَبَ لهُ إسماعيلَ وإسحاقَ عليهما السلامُ ، وتَبرز قدرة الله عز وجل وتَظهر، عندما تنقطع أسباب البشر مع هذه الزوجته الصالحة المؤمنة (هاجر) وولدها إسماعيل عليه السلام.. فقد تركها زوجها إبراهيم عليه السلام مع ولدها في وادٍ غير ذي زرع، وذلك بأمرٍ من الله سبحانه وتعالى..
 فقالت له بعد أن تأكّدت أنه أمر الله: "اذهب فإنه لن يُضيّعَنا"!.. 

وهذا سيدنا موسى عليه السلام يخرج ومعه بنو إسرائيل من مصر، ويتبعه فرعون وجنوده، ثم يعترضه البحر أمامه، وفرعون بجيوشه وسيوفه وحرابه من ورائه، فإذا ببعض بني إسرائيل ممن لم يعمر الإيمان قلبه ولم تعظم ثقتهم بالله عز وجل: قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] لا أمل لنا في النجاة مطلقاً، وجاء رد موسى عليه السلام بقدر ما كان على عظيم الأمل وكماله: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]
لا يمكن أن تكون هذه هي النتيجة؛ لأن هناك وعداً من الله سبحانه وتعالى، ولم يكن موسى عليه السلام إذ ذاك يعلم كيف سيكون الخلاص؟ هو يعلم أن ثمة خلاصاً لكنه لا يعلم كيف يكون، ثم جاء السبب اليسير: (اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63]،
فلما مر موسى ومن معه وجاء فرعون ومن معه أطبق البحر عليهم فماتوا غرقى. 

وهذا سيدنا زكريا عليه السلام قال تعالي (ذكر رحمة ربك عبده زكريا * إذ نادى ربه نداءً خفياً * قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقياً * وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً * يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله رب رضياً) (مريم: 2 - 6)
فاستجابت له السماء: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً) (مريم: 7).

وأيوبُ عليهِ السلامُ- ابتلاهُ ربُّه بِذَهابِ المالِ والوَلَدِ والعافِيَةِ، ثُمَّ ماذا ؟ قالَ اللهُ تعالىَ: " وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسّــَنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَـفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَــهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَــةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكـْرَى لِلْعَابِدِينَ" ( الأنبياء: 83- 84).

ويونس قد ابتلعه الحوت (فنادى في الظلمات أن لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين) (الأنبياء: 87، 88).

وهذا هو رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب حيث يتألب الشرك الوثني بكل عناصره، والغدر اليهودي بكل تاريخه، ويشتد الأمر على النبي وأصحابه: قريش وغطفان ومن يحطب في حبلهما من خارج المدينة، واليهود والمنافقون من الداخل. موقف عصيب صوَّره القرآن بقوله: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً) (الأحزاب: 10، 11)

في هذه الساعات الرهيبة التي يذوي فيها عود الأمل، ويخبو شعاع الرجاء، ولا يفكر المرء إلا في الخلاص والنجاة ... في هذه اللحظات والنبي يسهم مع أصحابه في حفر الخندق حول المدينة يصدون بحفره الغزاة، ويعوقون الطامعين العتاة - يحدث النبي أصحابه عن الغد المأمول، والمستقبل المرجو حين يفتح الله عليهم بلاد كسرى بفارس، وبلاد قيصر بالشام، وبلاد اليمن بالجزيرة، حديث الواثق المطمئن الذي أثار أرباب النفاق فقالوا في ضيق وحنق: إن محمداً يعدنا كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الخلاء وحده! أو كما قال القرآن: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً) (الأحزاب: 12).
ماذا تسمي هذا الشعاع الذي يبزغ في دياجير الأحداث من القلوب الكبيرة، فينير الطريق ويبدد الظلام؟ إنه الأمل، وإن شئت فهو الإيمان بنصر الله: (ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم * وعد الله، لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: 5، 6).

وانظر أخي الكريم إلى سورة الشرح التي تتضمن اليسر والأمل والتفاؤل للنبي صلى الله عليه وسلم، وتذكير النبي صلى الله عليه وسلم بنعم الله عليه، ثم اليسر بعد العسر، والطريق لهذا اليسر هو النّصَب والطاعة لله عز وجل، والرغبة والأمل في موعود الله عز وجل قال تعالى: " أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) "(سورة الشرح).

فلقَدْ كانَ رسولُنا صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ الفأْلُ لأنَّه حُسْنُ ظَنٍّ باللهِ سبحانه وتعالى، فقَدْ أخرجَ البخاريُّ ومسلمٌ عَنْ أنسٍ - رضي الله عنه - أنَّ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: " لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ ويُعُجِبُنِي الفأْلُ:الكََلِمَةُ الحسَنَةُ، الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ ".

فبالأملِ يذوقُ الإنسانُ طَعْمَ السعادَةِ، وبالتفاؤُلِ يُحِسُّ بِبَهْجَةِ الحياةِ. والإنسان بطبعه يحب البشرى وتطمئن إليها نفسه، وتمنحه دافعاً قوياً للعمل، بينما التنفير يعزز مشاعر الإحباط واليأس لديه ويصيبه بالعزوف عن القيام بدوره في الحياة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أنس بن مالك – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ".
وقَدْ بشَّرَنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم بانتصارِ الإسلامِ وظُهورِهِ مَهْما تكالبَتْ عليهِ الأعداءُ وتألَّبَتْ عليهِ الخُصومُ؛ فعن تَمِيمِ الدَّارِيِّ - رضي الله عنه- قالَ: سمعتُ رســولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: " لَيَبْلُغَنَّ هَذا الأمرُ ما بَلَغَ الليلُ والنَّهارُ، ولا يَتْركُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلاَّ أدخَلَهُ اللهُ هــذا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أوْ بِذُلِّ ذَليـلٍ، عِزّاً يُعِزُّ اللهُ بهِ الإسلامَ، وذُلاًّ يُذِلُّ اللهُ بهِ الكفـرَ" [ أخرجَهُ أحمدُ ].

 العنصر السادس: الخاتمة:ـ 

أيها الأحبة الكرام هذه وصيتي للمربين تتلخص في ثلاثة نقاط :ـ
أ ـ الإنصات للأشخاص المقربين والأصدقاء والأبناء ومن يمرون بظروف صعبة، والتواصل العاطفي معهم، وعدم الضغط على الأبناء بخصوص التحصيل الدراسي، وعدم مقارنتهم بآخرين أو انتقادهم المستمر أو إحراجهم والاستهزاء بهم.
 ب ـ محاولة تفهم الظروف والأسباب التي قد تدفع بعض أفراد المجتمع إلى محاولة الانتحار ، ومن ثم العمل على مد يد العون لهم ، ومساعدتهم في حلها . 
وبذلك يتم القضاء على أسباب هذه الظاهرة ودواعيها بإذن الله .
 ج ـ معالجة الأمراض النفسية والاضطرابات لدى الفرد كالاكتئاب والفُصام والإدمان .. فلا يجب إخفاء أو إهمال ما يَظهر على الفرد من اضطرابات سلوكية غير مألوفة، فيجدر بعائلة المريض التوجه إلى الطبيب النفسي أو الأخصائي لعلاجه وإدخاله المصحة النفسيّة إن لزم الأمر، وعدم الخجل أو ووصيتي للشباب ومن تسول له نفسه بالإقدام علي هذا الفعل الشنيع :ـ عظموا رجاءكم بالله وأيقنوا برحمته سبحانه التي وسعت كل شيء، وجددوا صلتكم بالله ‏وأكثروا من الطاعات والجأوا إليه سبحانه بالدعاء والتضرع أن يصرف عنكم السوء وأن ‏يحبب إليكم الإيمان وأن يزينه في قلوبكم وأن يكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان وأن ‏يجعلكم من الراشدين، وتفاءلوا بالخير تجدوه ، واعلموا أن الحياة نعمة عظيمة أنعم الله بها عليكم وفرصة لا يمكن ‏تعويضها فاغتنموها في العمل الصالح حيث به تحيون حياة كريمة كما قال تعالى: (مَنْ ‏عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ‏مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97] .
واعلموا أن كل شئ ممكن وليس هناك مستحيل ، وأنكم من تصنعون الظروف لا الظروف تصنعكم ‏،فكونوا متفائلين وإيجابيين ، وهو ما يُشير إليه قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } (سورة الرعد: من الآية 11) .
ويقول الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله ” لوأن رجلاً وقف أمام جبل وعزم على إزالته لأزاله “ 
ويكفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خير الناس من طال عمره وحسن ‏عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله" رواه أحمد والحاكم، والترمذي وصححه.‏
نسأل الله تعالى أن يحفظنا جميعاً من كل شر ، وأن يوفقنا إلى طاعته ، وأن يرزقنا حياةً طيبةً ، وأن يختم لنا بخاتمةٍ حسنة ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

**********************

14 مارس 2017

الفوائد العشر لصلاة الفجر


الفوائد العشر لصلاة الفجر

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الحبيب المحبوب القائل: ((وجُعِلت قُرَّة عيني في الصلاة)).
 والذي نودُّ ذِكره هنا أن صلاة الفجر مع الجماعة، قد اختصتْ بفوائدَ وأسرارٍ انفردتْ بها عن سائر الصلوات، ومن يطَّلع على واحدة من هذه الفوائد يجد أن الواحدة منها كافية أن تستنهض همَّة المؤمن، وتحرِّك عزيمته، وتبعث نشاطه، وتحمله على هجر النوم والكسل، وترك الفراش، والبيت الدافئ، لينطلق في لهفة وحماس؛ لتحصيل هذه الفوائد، بأداء صلاة الفجر في المسجد مع الجماعة.

الفائدة الأولى: الدخول في ذمَّة الله: 

عن جندب بن عبدالله بن سفيان البجلي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن صلَّى الصبح، فهو في ذمة الله، فلا يَطلُبَنَّكم الله من ذمَّته بشيء؛ فإن من يطلُبهُ من ذمته بشيء يدركه، ثم يَكُبه على وجهه في نار جهنم))؛ رواه مسلم وأحمد. ومعنى هذا الحديث: أن مَن صلَّى الصبح في جماعة، فهو في ضمانه - تعالى - وأمانه وعهده، فليس لأحد أن يتعرَّض له بسوء، ومَن نقض عهد الله - تعالى - فإنه يطلبه للمؤاخذة بما فرط في حقِّه والقيام بعهده.

 الفائدة الثانية: أجر قيام الليل: 

عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلَّى الليلَ كلَّه))؛ رواه مسلم. 

الفائدة الثالثة: براءة من النفاق: 

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما، لأتَوهما ولو حبوًا، ولقد هممتُ أن آمُرَ المؤذِّن فيُقيم، ثم آخُذَ شُعلاً من النار، فأحرِّقَ على من لا يخرج إلى الصلاة بعد))؛ رواه أحمد، والبخاري، ومسلم. 

الفائدة الرابعة: النور التام يوم القيامة: 

عن بريدة الأسلمي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بشِّرِ المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة))؛ رواه أبو داود والترمذي.

الفائدة الخامسة: شهود الملائكة له، وثناؤهم عليه عند الله - تعالى: 

عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل، وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرُجُ الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربُّهم - وهو أعلم بهم -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلُّون، وأتيناهم وهم يصلون))؛ رواه البخاري ومسلم. 

الفائدة السادسة: أجر حجة وعمرة إذا ذكر الله - تعالى - حتى تطلع الشمس:

 عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن صلى الغداة في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة))؛ رواه الترمذي. 

الفائدة السابعة: غنيمة لا تعدلها غنائم الدنيا: 

عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث بعثًا قِبَلَ نجدٍ، فغنموا غنائم كثيرة، فأسرعوا الرجعة، فقال رجل ممن لم يخرج: ما رأينا بعثًا أسرع رجعةً، ولا أفضل غنيمةً من هذا البعث، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا أدلُّكم على قوم أفضل غنيمة، وأسرع رجعة؟ قوم شهدوا الصبح، ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت عليهم الشمس، فأولئك أسرع رجعة، وأفضل غنيمة))؛ رواه الترمذي وضعفه.

الفائدة الثامنة: فضل اغتنام سنة الفجر: 

عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها))؛ رواه مسلم. 

الفائدة التاسعة: النجاة من النار، والبشارة بدخول الجنة: 

عن عُمارة بن رويبة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لن يلج النارَ أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها))؛ يعني: الفجرَ والعصر؛ رواه مسلم. 

الفائدة العاشرة: الفوز برؤية الله - تعالى - يوم القيامة (وهي أعظم الفوائد): 

عن جرير بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه - قال: كنا جلوسًا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: ((أمَا إنكم سترَون ربَّكم كما ترَون هذا القمر، لا تُضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا))؛ رواه البخاري ومسلم.
ومما يعين المؤمنَ على الاستيقاظ لصلاة الفجر في وقتها ألاَّ يطيل السهر بعد العشاء، وأن ينام باكرًا لوقت يمكنه فيه أن يصحو نشيطًا ويهرع إلى المسجد، فمَن منَّا لا يحرص على أن يكون في أمان الله، يرعاه ويتولاه؟!
 ومن منا لا يحرص على أن يكون له النور التام يوم القيامة، يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم؟! ومَن ذاك الذي لا يهمُّه أن يكون بريئًا من النفاق براءةً تنجيه من هول ذلك اليوم، ومن سوء الحساب يوم القيامة؟!
ومن ذاك الذي لا يجد في نفسه حبًّا وشوقًا للفوز برؤية الله - تبارك وتعالى - يوم القيامة؛ ليدخل في عِداد من قال الله فيهم: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23]؟!
 ألا تستأهل كل واحدة من هذه الفوائد أن تجعلنا ننفض عنا غبار النوم والكسل، ونسارع لاغتنام هذا الخير العظيم، قبل انقضاء أعمارنا في هذه الدنيا الفانية؟!
فإذا جاهدتَ نفسك، وهرعتَ إلى المسجد عندما ينادي المؤذِّن (الصلاة خير من النوم)، وأدَّيت هذه الصلاة مع الجماعة، فستجد لذلك حلاوة ومتعة، لا يُفصح عنها لسان، ولا يُعبَّر عنها بالبيان، فإذا تذوقتَ حلاوتها، وتنعمتَ بما فيها، فإنك لن تستغني بعد ذلك عنها، إنك ستصبح أشد حرصًا عليها، واهتمامًا بها، ورغبةً فيها، كلما مرت بك الأيام، وامتدت بك الأعوام.
 وختامًا: اللهم أعنَّا على ذِكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعلنا ممن يسارعون إلى الخيرات، ويسابقون إلى الطاعات والمكرمات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ولمثل هذا فليعمل العاملون، والحمد لله رب العالمين.

الإدمان ( أسبابه ـ أضراره ـ علاجه )





الحمد لله رب العالمين .. حرم الإضرار بالنفس فقال تعالي ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) النساء 29، وقال تعالي ( ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة ) البقرة 195 . 

 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... أحل الحلال وحرم الحرام ، وأحل الطيبات ،وحرم الخبائث فقال تعالي ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ...) الأعراف 157 . 

 وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم نهي عن الإضرار بالنفس فقال صلي الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضرار ). فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلي يوم الدين .

 أما بعد... فيا أيها المؤمنون..
 لقد كرم الله الإنسان وأعلى شأنه وأسبغ عليه نعمة ظاهرة وباطنة وسما به إلى أكبر درجات التعظيم والتكريم، وقال في شأنه:(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا: (الإسراء 70).
 وقد توج الله الإنسان بأفضل وسائل التفكير والإدراك وأحل له من الطيبات ما يحفظ عليه حياته ،ويجعله صحيحا معافى عزيزا كريما ،كما حرم عليه كل خبيث ضار بجسمه أو عقله أو يفقده توازنه أو يحطم شخصيته، وذلك كله حماية للإنسان الكريم على الله ووقاية لبدنه أوعقله . وما دام العقل هو نعمة الله الكبرى فواجب للإنسان إزاءه أن يحافظ عليه بكل وسيلة مشروعة وأن يعمله في إدراك فضائل الأمور وأن يتفكر به في ملكوت السماوات والأرض وفيما يعود عليه بالسعادة والخير ،فإذا فعل ذلك فقد أدى جانبا من شكر الله على هذه النعمة .
 ولكن للأسف عندما تنقلب الأوضاع. و ينحرف العقل عن مساره و يأتي الإنسان في حالة من حالات ضعفه أو مع قرناء السوء من حوله فيتعمد أن يغيب عقله أو تخدر حواسه او يعطل إدراكه بأي نوع من أنواع المخدرات والمسكرات فذلك هو الضلال المبين . وبما إن تعاطي المخدرات تهديد حقيقي للمجتمعات ،وتعتبر من أعقد المشاكل التي تواجه المجتمعات في الوقت الحاضر ، لما لها من تأثير على كافة اشكال النشاط الاجتماعي ، والاقتصادي ، وعلى العنصر البشري من النواحي الصحية ، والعقلية ، والنفسية ، والاجتماعية. 
وقد تمس بسلامة امن المجتمع واستقراره من خلال الانحرافات السلوكية الشائنة للمتعاطي ،ومن أخطرها ما يتعلق بالجريمة للارتباط الوثيق بين المتعاطي والجريمة بكافة أنواعها مثل : القتل ، والسرقة ، والاغتصاب، والتهريب ......الخ. 
يضاف إلى ذلك الأضرارالكبيرة التي تصيب الاقتصاد والتنمية بسبب ضعف قدرة المجتمع في الإنتاج لانعدام إمكانات العمل أو العمل بمستويات متدنية لدى اؤلئك المتعاطين .

 إذن وجب علينا أن نعطي هذا الموضوع أهمية قصوي من خلال مناقشته مناقشة موضوعية من خلال
( حقيقته ـ أسبابه ـ أضراره ـ موقف اٌلإسلام منه ــ طرق الوقاية منه ) .
 أولا :ـ حقيقة الإدمان :ــ
 هو حالة تسمم مزمنة ناتجة عن الاستعمال المتكرر للمخدرات .لذاك علينا أن نتعرف علي حقيقة المخدرات .

 تعريف المخدرات :ــ

 أُطلق على المخدرات المرفئات ( يعني ما غيب العقل والحواس دون أن يصيب ذلك النشوة والسرور )، أما إذا صحب ذلك نشوة فإنه مسكر . وهي كلمة قليلة الحروف ، قاتلة المعاني ، لا تصحب معها إلا الدمار ، تسحق في فلكها أحلاماً وآمالاً ، وقلوباً وعقولاً ، ومبادئ وقيماً ، وأفراداً ومجتمعات .
 إنها السلاح الخطير .. بيد فاقدي الضمير .. تفتك بالعقول فتعطلها .. وتفتك بالأجساد فتهدّها ..وتفتك بالأموال فتبددها .. وتفتك بالأسر فتشتتها .. وتفتك بالمجتمعات فتحطمها .
 إنها التيار الجارف ، والبلاء الماحق ، والطريق الذي ليس لـه إلا ثلاث نهايات : الجنون ، أو السجن ، أو الموت .

 ** ثانيا :ـ أسبابه :ــ 

 إن أسباب انتشار ظاهرة إدمان المخدرات لا يحصيها العد، إذ لكل مجتمع أسباب خاصة في تفشي هذه الظاهرة، فهي نابعة من ظروف العصر وأسبابه الخاصة.
 1- انعدام التربية السليمة في البيت :ــ 

 إن السبب الأول في انحراف الشباب هو التربية الغير سوية من طرف الوالدين ,فالطفل كالصفحة البيضاء ترسم فيها ما تشاء فإذا كانت تربيته منذ البداية مبنية على أسس ومبادئ الدين الإسلامي فالنتيجة هي إنسان صالح بإذن الله تعالى والإسلام الحنيف يحمل الأبوين ومن يقوم مقامهما مسؤولية انحراف الأبناء.

 ومن الأدلة القوية على ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه:{فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ }.

ولا اقصد في قولي بأن كل اللوم يكون على الوالدين فهناك الأسرة والمدرسة والمجتمع ولكن ما أقصده هو أن الطفل أول ما يفتح عينه يرى أمه وأباه , فإذا وجد الطفل الأب يدخن مثلاُ وهو يعتبر هذا الأب قدوة له فإنه والحال هذا يكون من الصعب إقناعه بعدم التدخين إذ كيف يستطيع الأب أن يمنع ابنه عن شيء هو يفعله , وكما قيل قديما فاقد الشيء لا يعطيه , والعكس بالعكس فإذا كان الأب ذا أخلاق وبعيد عن الرذائل , فالنتيجة تكون بإذن الله طفل صالح.
 فالواجب على الآباء مراعاة ما استرعاهم الله به قال صلى اللّه عليه وسلم: ﴿ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته: فالأمير الذي على الناس راعٍ عليهم وهو مسئولٌ عنهم، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئولٌ عنهم، والمرأة راعيةٌ على بيت بعلها وولده وهي مسئولةٌ عنهم، والعبد راعٍ على مال سيده وهو مسئولٌ عنه؛ فكلُّكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته﴾.
 ويقول القائل :ــ

 وينشأ ناشئ الفتيـــــان منا          على ما كان عوده أبوه 
 وما دان الفتى بحجي          ولكن يعوده التـــدين أقربوه 

2ـ ضعف الوازع الديني والفراغ الروحي :ــ

 ضعف الإيمان وأساس ذلك يأتي من الجهل بالعلم الشرعي ، فمتى وجد الجهل وجد ضعف الإيمان ، لأن الإيمان أساس العلم الشرعي الذي يهدي الفرد لأرشد طريق ، ولذلك نجد غالب المبتلين بهذا الداء هم من غير المعروفين بسابق الدراسة الشرعية . إن موقف الإسلام من تحريم الخمر والمخدرات صريح وواضح فمن المبادئ الأساسية في الإسلام الابتعاد عن كل ما هو ضار بصحة الإنسان ، وأن تعاطي المخدرات يؤدي إلى مضار جسيمة ونفسية واجتماعية للمتعاطي - ويقول الله تعالى : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) . 

 إن الشخص المؤمن والملتزم بشريعة الله لا يمكن أن يقدم على تعاطي هذه المواد التي تسبب خطراً على صحته وعلى أسرته -
 يقول شيخ الإسلام إبن تيميه : ( أن الحشيشة تورث مهانة آكلها ودناءة نفسه وانفتاح شهوته ما لا يورثه الخمر ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر ، وإن كان في الخمر مفسدة ليست فيها وهي الحدة ) .

 فهي بالتحريم أولى لأن ضرر آكل الحشيش على نفسه أشد من ضرر الخمر ، وضرر شارب الخمر على الناس أشد إلا أنه في هذه الأزمان لكثرة أكلة الحشيشة صار الضرر الذي فيها على الناس أعظم من الخمر وإنما حرم الله المحارم لأنها تضر أصحابها -
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل مسكر خمر وكل مسكر حرام )
وهذه مسكرة ولو لم يشملها لفظ بعينها لكان فيها من المفاسد ما حرمت الخمر لأجلها مع أن فيها مفاسد أخرى بغير مفاسد الخمر توجب تحريمها . وقد أخرج أبو داود وأحمد عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نهى عن كل مسكر ومفتر ) 
وقيل المفتر الذي يحدث في الجسم فتوراً وتراخياً وضعفاً . والمعروف أن جميع المخدرات تحدث هذه الأضرار في الجسم .
ويقول الإمام إبن القيم : ( أن الخمر يدخل فيها كل مسكر مائعاً كان أو جامداً أو عصيراً أو مطبوخا فيدخل فيها الحشيش والأفيون لأن كله خمر داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ) ، وصح عن أصحابه رضي الله عنهم الذين هم أعلم الأمة بخطابة ومراده بأن الخمر ما خامر العقل .

 إن ضعف الوازع الديني والأخلاقي يجعل الأفراد فريسة للأزمات النفسية، وهي بدورها تكون أحد أسباب التعاطي .
فالوازع الديني ينشىء الفرد على الصدق والإيمان وسلامة التطبيق لأوامر الله تعالى ،ومن تحصن بالدين الإسلامي يمكنه إن يميز بين الحلال والحرام . وقد أحل الله الحلال لفائدته للفرد والمجتمع، وحرم الحرام لخطورته عليهما .فإذا كانت التربية الدينية راسخة لدى الفرد وقوية في النفس فيكون (الحلال بين والحرام بين لدى المسلمين ).
 فتقوية الإيمان في النفوس تكمن بمعرفة قول الله سبحانه وتعالى ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبع السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون ) الآية :153- سورة الإنعام ، 
وقال تعالى (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر والله يعلم ما تصنعون ) ( 45 ـ العنكبوت ) 
وحرم الإسلام جميع أنواع المسكرات ،سواء كانت خمر أو مخدرات قليلة كانت أم كثيرة لما تسببه من اضرار للفرد والمجتمع وهذا التحريم مستندا في القران الكريم ، والحديث ، والفقه .

 فقد ورد في كتاب الله العزيز ((ويحل لكم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث )) الآية: 157- سورة الأعراف .
وجاء التحريم تاما بنص هذه الآية الكريمة لان المخدرات أم الخبائث. وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار )) متفق عليه . 
وقد اثبت العلم الاضرار الجسيمة التي تسببها المواد المخدرة ،فهي مفسدة للدين ،والعقل ،والنسل ، والنفس ،والمال.
 3 ـ النزاع والشقاق بين الآباء والأمهات :ـ 
 من الأسباب الأساسية التي تؤدي إلي انحراف الولد احتدام النزاع واستمرار الشقاق بين الأب والأم في أعظم ساعات الإجتماع واللقاء ، فالولد حين يفتح في البيت عينيه ، ويري ظاهرة الخصومة أمام ناظريه سيترك البيت حتما جو البيت القاتم ويهرب من محيط الأسرة الموبوء ليفتش عن رفاق يقضي معهم جل وقته ويصرف في مخالطتهم معظم فراغه ،فهؤلاء إن كانوا قرناء سوء ورفقاء شر فإنه سيدرج معهم علي الإنحراف ، ويتدني بهم إلي أرذل الأخلاق وأقبح العادات ، بل إن انحرافه سيتأكد وإن إجرامه سيتحقق ، ليصبح أداة خطر وبلاء علي البلاد والعباد .

 4ـ الفـراغ عند الشباب وخطـورته :ــ

 الوقت هو حياة الإنسان ولا بد من استغلاله فيما يعود عليه بالنفع، فكم من أناس يقضون أوقاتهم في غير فائدة تذكر، أو منفعة تسطر!! ولما كان الفراغ قاتلاً للأوقات، خاصة وقت الشباب الذي هو أغلى شيء؛ كان الاهتمام به أبلغ وأشد , كما هو معلوم فان الإنسان يسأل يوم القيامة عن وقته قال صلى الله عليه و سلم ﴿لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وماذا عمل فيما علم﴾
 إن الفراغ في حياة المرء أمره خطير، وشره مستطير، وخاصة عند الشباب. إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة لأن الفراغ مفسدة للمرء إن لم يوجه في الخير ،فإنه يسبب مشاكل كثيرة؛ ولذا لا بد أن يملأوا أوقاتهم بما يفيدهم ويفيد أمتهم , وإلا كان وبالا عليهم . فالفراغ قد يؤدي بصاحبه إلى تناول المخدرات إن لم يستغله فيما ينفعه ,
إن الفراغ نعمة في حق العبد إذا استعمله فيما يعود عليه بالنفع في دنياه وأخراه، أما إذا لم يغتنمه الشاب تحول من نعمة إلى نقمة، ومن منحة إلى محنة، ويصبح شبحًا مخيفًا يحول الشاب إلى ألعوبة بيد شياطين الجن والإنس ,
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ﴾ ,
و قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ﴿إني لأمقت الرجل أن أراه فارغًا، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة﴾.

 5ـ الرفقة السيئة :ــ 

 إن الاتصال بقوم منحرفين و مصاحبتهم يؤثر كثيرا على الشباب في عقله و تفكيره و لذلك جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال ﴿المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل﴾ 
و قال صلى الله عليه و سلم ﴿مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك : إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة﴾متفق عليه. 
 إن الرفقة من الحاجات الاجتماعية لكل إنسان ، لأن الرفقة حاجة نفسية متأصلة في النفس البشرية ، فإذا صلحت الرفقة صلح الإنسان والعكس بالعكس , وعليه وجب على الإنسان أن يختار الرفقة الحسنة التي تعينه في أمور دينه ودنياه. فالحذر الحذر من رفيق السوء، فإنه يُفسد عليك دينك ودنياك ، يجرّك إلى الرذيلة، ويباعدك من كل فضيلة، حتى يُجرّئك على فعل الموبقات والآثام، والصاحب ساحب، فقد يقودك إلى الفضيحة والخزي والعار، ويوقعك في المحذورات من التدخين وشرب الخمر و المخدرات.

 6ـ البيئة المحيطة بالشباب :ــ

 قال صلى الله عليه وسلم: ﴿كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه﴾ ,
 فكل إنسان يولد على الفطرة التي فطره الله عليها , وإنما ينحرف بسبب ما يجد عليه من حوله , ويتغير بما يجده أمامه , فالنفس البشرية قابلة للخير والشر، وعندها استعداد للاستقامة أو الانحراف والبيئة هي التي تعزز ذلك وتيسره , فللبيئة تأثير خاص على الإنسان، فإن تربى في بيئة تعتز بالفضيلة والأخلاق الحسنة، صار الإنسان كذلك ، وإن عاش في بيئة فيها من الفساد الأخلاقي والفكري، أصبح على حسب ما فيها منه ، فالإنسان يؤثر ويتأثر.

 7ـ الإعلام :ــ 

 إن الإعلام سلاح ذو حدين من الممكن أن يكون نافعًا، ومن الممكن أن يكون عاملاً من عوامل الانحراف، ولكن ما نشاهده اليوم عبر القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت , إبتداءا من أفلام الكارتون إلى المسلسلات والأفلام وغيرها من البرامج فيها من نشر الانحراف كالرقص والزنا وشرب المخدرات وجرائم السرقة .... وغير ذلك من الجرائم والسلوكيات التي يشيعها الإعلام وسط الشباب ,فكل هذا ما هو إلا طريق للانحراف الفكري والسلوكي لدى أبناء مجتمعنا. هذه بعض الأسباب الرئيسية التي تكون سببا في انحراف الشباب , هذا وثمة أسباب أخرى لوقوع الشباب في شبح المخدرات فهذه الأسباب على سبيل المثال لا على سبيل الحصر ........

 ** ثالثا :ــ الأضرار الناتجة عن تعاطي المخدرات :ــ 

 أ . الأضرار الاجتماعية والخلقية :‏ــ 
1- انهيار المجتمع وضياعه بسبب ضياع اللبنة الاولى للمجتمع وهي ضياع الاسرة .‏
 2- تسلب من يتعاطاها القيمة الانسانية الرفيعة وتهبط فيه في وديان البهيمة حيث تؤدي بالانسان الى تحقير النفس فيصبح دنيئا مهانا لا يغار على محارمه ولا على عرضه وتفسد مزاجه ويسوء خلقه.
 3- سوء المعاملة للاسرة والاقارب فيسود التوتر والشقاق وتنتشر الخلافات بين أفرادها .
 4- امتداد هذا التأثير الى خارج نطاق الاسرة حيث الجيران والاصدقاء .‏
 5- تفشي الجرائم الاخلاقية والعادات السلبية , فمدمن المخدرات لا يأبه بالانحراف الى بؤرة الرذيلة والزنا ومن صفاته الرئيسية الكذب والكسل والغش والاهمال .
‏ 6- عدم احترام القانون والمخدرات قد تؤدي بمتعاطيها الى خرق مختلف القوانين المنظمة لحياة المجتمع في سبيل تحقيق رغبات شيطانية.‏

 ب . الأضرار الاقتصادية :‏ــ
 1- المخدرات تستنزف الاموال وتؤدي الى ضياع موارد الاسرة بما يهددها بالفقر والافلاس.‏
2ـ  المخدرات تضر بمصالح الفرد ووطنه لانها تؤدي الى الكسل والخمول وقلة الانتاج .‏
 3- الاتجار بالمخدرات طريق للكسب غير المشروع لا يسعى اليه الا من فقد انسانيته .‏
 4- ان كثرة متعاطي المخدرات يزيد من اعباء الدولة لرعايتها لهم في المستشفيات والمصحات وحراستهم في السجون ومطاردة المهربين ومحاكمتهم .

‏ ج . الأضرار الصحية :‏ــ 
 1- التأثير على الجهاز التنفسي حيث يصاب المتعاطي بالنزلات الشعبية والرئوية وكذلك بالدرن الرئوي وانتفاخ الرئة وسرطان الشعبي‏.
 2- تعاطي المخدرات تزيد من سرعة دقات القلب ويتسبب بالانيميا الحادة وخفض ضغط الدم كما تؤثر على كريات الدم البيضاء التي تحمي الجسم من الامراض .‏
 3- يعاني متعاطي المخدرات من فقدان الشهية وسوء الهضم والشعور بالتخمة خاصة اذا كان التعاطي عن طريق الاكل مما ينتج عنه نوبات اسهال وامساك كما تحدث القرحة المعدية والمعوية ويصاب الجسم بانواع من السرطان لتأثيرها على النسيج الليفي لمختلف اجهزة الهضم .‏
 4- تأثير المخدرات على الناحية الجنسية فقد ايدت الدراسات والابحاث ان متعاطي المخدرات من الرجال تضعف عنده القدرة الجنسية ، وتصيب المرأة بالبرود الجنسي .
 5- التأثير على المرأة وجنينها وهناك أدلة قوية على ذلك فالأمهات اللاتي يتعاطين المخدرات يتسببن في توافر الظروف لاعاقة الجنين بدنيا وعقليا .
‏ 6- الامراض النفسية كالقلق والاكتئاب والنفسي المزمن وفقدان الذاكرة وقد تبدر من المتعاطي صيحات ضاحكة او بسمات عريضة ولكنها في الحقيقة حالة غيبوبة ضبابية .
‏ 7- تؤدي المخدرات الى الخمول الحركي لدى متعاطيها .‏
 8- تدهور في الصحة العامة وذبول للحيوية والنشاط‏.
 9ـ ارتعاشات عضلية في الجسم مع إحساس بالسخونة في الرأس والبرودة في الأطراف .
 10ـ احمرار في العين مع دوران وطنين في الأذن ، وجفاف والتهاب بالحلق والسعال .

 د ـ الأضرار النفسية :ــ
 1ـ اضطراب الشخصية ،وسوء السلوك ،الشعور بالأنانية ،وعدم الشعور بالمسؤولية ويبدو وكانه ذو شخصية ناقصة .
 2 ـ فقدان التوازن والإحساس شارد العقل والتفكير .
 3ـ يعيش حياة سيئة ويشعر بأنه منبوذ من المجتمع والأسرة .
 4 ـ إن تعاطي المخدرات يضعف قدرة المتعاطي على الإدراك والسيطرة.على الإرادة فيندفع لممارسة كل أنواع الانحراف من قتل وسرقة واغتصاب وفسق ورذيلة وانحراف في السلوك والأخلاق والآداب .
 5 ـ ينتاب المتعاطي خوف شديد أو اكتئاب، فاقد الأمل ،لايشعر بالأمان، تنتابه خيارات ثلاثة وهي السجن أو الجنون أو الموت .....مما يدفعه للانتحار .

 ** رابعا :ـ موقف الإسلام من المخدرات :ــ

 إن الدين الإسلامي وضع نظاماً أخلاقيا يسير عليه الأفراد هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد جاء في قوله تعالى (( ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أولئك هم المفلحون )) آل عمران 104 .
فالشريعة الاسلا مية تحرم كل ضرر يصيب الإنسان في عقلة أو نفسه أو دينه أو ماله , ولذلك يكون تعاطي هذه المخدرات محرماً للضرر الناشئ عن تعاطيها .
فالمقاصد الخمسة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية هي : حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال , وهي من الضروريات الخمسة التي حرص الإسلام على المحافظة عليها وفي سبيل ذلك حرم الموبقات والمهلكات التي تحلق الضرر بأي من هذه الضروريات وبما أن تناول المخدرات فيه ضرر مبين بهذه الضروريات والمقاصد , فيكون تعاطي المخدرات وإدمانها حرام بلا جدال من وجهة النظر الإسلامية .
 وقد اتخذت الشريعة الإسلامية الخمر كمثال للأفعال التي تؤدي إلى الأضرار بهذه الضروريات الخمسة وحرمته تحريماً قاطعاً لقولة تعالى :ـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)) المائدة .
 فإدمان المخدرات تفسد على الإنسان دينه لأنه يقود الفرد المدمن إلى المعصية وارتكاب ما نهى الله عنه . 
 ـ ويفسد على الإنسان جسمه ونفسه بالإمراض المتعددة وتعطيل أجهزة الجسم .
 ـ وتفسد علية روحة وعقله بالتوتر والقلق النفسي وتعطيل فكره عن أداء وظائفه .
 ـ وتفسد عليه عرضه ونفسه لأنها تقود الإنسان إلى ارتكاب المحرمات والزنا وثورت النسل الأمراض .
 ـ كما تعتبر المخدرات مصدر رئيسيا لإفساد المال وذلك باستخدامه في مضرة الإنسان .
 وبذلك فإتباع التعاليم الدينية هي خير وسيلة لأبعاد البشر عن الرذائل وما يتبعها معاصي وأمراض جسمانية واجتماعية وروحية فهي لها الفضل الكبير في تنظيم أمور الحياة وبناء العلاقات الإنسانية ومما لاشك فيه أن كل الأديان السماوية حرمت ومنعت الممارسات السيئة واعتبرتها معاصي تستحق العقاب . 
 وسعي القران الكريم إلى تزين الطاعة والابتعاد عن معصية الله وقد جاء قوله تعالى (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) الحجرات 7
 وبذلك يعتبر تعاطي المخدرات من الكبائر التي حرمها الله تعالى كما في قوله تعالى (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) الأعراف 157 . 

 *** خامسا :ــ طرق الوقاية من إدمان المخدرات :ــ 

 إن الحياة هبة من الله تعالى، وواجبنا هو الحفاظ عليها حيث أمرنا الله سبحانه وتعالى بأن لا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة بقوله :" ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" والمخدرات التي أصبح تعاطيها متفشيا بين سائر أفراد المجتمع الإسلامي وهي هلاك مؤكد ،حيث أنها تؤثر سلبا على الجسم والعقل، وعن العلاقات بين الأفراد والأسر والمجتمعات، وتعطل من قدرات الشباب على العمل والإبداع والإنتاج وخدمة الأمة . 
 " وقد استهدفت الشريعة الإسلامية تحقيق سعادة الفرد والمجتمع وتعمير الدنيا ومن ثم جاءت بمبادئ خالدة صالحة لكل زمان ومكان من بينها دفع الضرر ورعاية مصالح الناس في العاجل والآجل وتحريم عوامل الشر والفساد ومن أوليات مقاصد الشريعة حماية الإنسان وحفظ دينه ونفسه وماله وعقله" .
 لاشيء يعين المرء على تحقيق مآربه إلا بالإيمان فمن تسلح بها نجح ومن سار على الجادة وصل وأن يكون كل قصده هو التقرب إلى الله بترك محرماته .
لذلك لابد من التربية الإيمانية للطفل منذ نعومة أظفارة . 
1 ــ زرع الوازع الديني لدى الأطفال في الصغر . 
 ضرورة تقوية الوازع الديني لدى االأطفال باعتباره خطًا دفاعيًا أوليًا مهمًا يمنع الولد من الانزلاق في الانحراف غالبًا لما لهذه التربية من أثر كبير في تكوين ضميره وإصلاح نفسه وسمو خلقه ... 
ومن المعروف تاريخيا أن العرب الذين أدركوا الإسلام ، وآمنوا به ودخلوا فيه .. لما تربت ضمائرهم علي مراقبة الله وترسخت نفوسهم علي الخشية منه والإستعانة به ، والإعتماد عليه ، تركوا كل العادات المرذولة التي كانوا عليها في الجاهلية عن طواعية واختيار .
ولكي يتضح لنا أثر الإيمان في تغيير العادات المتمكنة، وتربية النفوس على عمل الخير وإن كان شاقاً، وترك الشر وان كان مألوفاً ومعتادا . 
 نقيم موازنة بين موقفين في مشكلة واحدة:ــ 
موقف من التاريخ الحديث، وموقف من التاريخ القديم، يصوران لنا كيف يصنع وازع الإيمان ما يعجز عنه وازع السلطان. الموقف الأول في الولايات المتحدة الأمريكية ... 
 وقد انتشرت فيها عادة السكر وشرب الخمور انتشاراً أقنع الحكومة بضرر ذلك على الفرد والأسرة والمجتمع، 
1ـ فأصدرت الحكومة قانوناً يمنع الخمر، ثم تبين لوا بعد مدة يسيرة أنها عاجزة تمام العجز عن تنفيذ قانونها، وأن أفراداً وجماعات أخذوا يعيثون في الأرض فساداً بتعاطي الخمور وتدريبها والاتجار بها، والتفنن في صناعتها على استخفاء، واستحضار أخبث أنواعها أكثر من ذي قبل. ومما ينبغي أن نلتفت إليه أن هذا الحظر لم يكن (أمراً ملكياً) أو منشوراً من إمبراطور مستبد أراد أن يرغم شعبه بسلطان القوة، وقوة السلطان. كلا ... 
إنه تشريع جاء عن طريق برلمان في بلد ديمقراطي دستوري حر، من شأنه أن يشرع لنفسه ما يجلب له النفع، ويدرأ عنه الفساد والضرر وقد شرع هذا القانون بعد أن اقتنع به الرأي العام وتحقق له من الوجهة العلمية والعملية أن الخمر ضارة بالصحة، مفسدة للعقل، محطمة للحضارة. فحوالي عام 1918ثارت المشكلة في الرأي العام الأمريكي. وفي عام 1919 أدخل في الدستور الأمريكي تحت عنوان "التعديل الثامن عشر" وفي نفس السنة أيد هذا التعديل بأمر حظر، أطلق عليه التاريخ قانون (فولستد). وقد أعدت لتنفيذ هذا التحريم داخل الأراضي الأمريكية كافة وسائل الدولة وإمكاناتها الضخمة: 1. جند الأسطول كله لمراقبة الشواطئ، منعاً للتهريب. 2. جند الطيران لمراقبة الجو.
 3. شغلت أجهزة الحكومة واستخدمت كل وسائل الدعاية والإعلام لمحاربة الخمر، وبيان مضارها وجندت كذلك المجلات والصحف والكتب والنشرات والصور والسينما والأحاديث والمحاضرات وغيرها. 
 ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليوناً 60,000,000 من الدولارات، وأن ما أصدرته من كتب ونشرات يبلغ عشرة بلايين صفحة 10,000,000,000، وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم -في مدة أربعة عشر عاماً_ لا يقل عن 250,000,000 مائتين وخمسين مليون جنيه، وقد أعدم في هذه المدة 300 ثلاثمائة نفس، وسجن 532,335 نفس، وبلغت الغرامات 16,000,000 ستة عشر مليون جنيه، وصادرت من الأملاك ما بلغ 404,000,000 أربعمائة مليون وأربعة ملايين جنيه، ولكن كل ذلك لم يزد الأمة الأمريكية إلا غراماً بالخمر، وعناداً في تعاطيها، حتى اضطرت الحكومة سنة 1933الى إلغاء هذا القانون، وإباحة الخمر إباحة مطلقة هذه هي نهاية المطاف، وهذا هو ختام القصة: لقد فشل القانون، وعجزت السلطات، وأفلست أجهزة الدولة، في منع الخمر ومحاربة السكيرين، برغم الاقتناع العقلي الذي كان سائداً في الأمة بضرر الخمر، ولكن الاقتناع العقلي شيء وعمل الإرادة شيء آخر. ولقد قال أحد الكتاب الغربيين بحق: "إن طلب شيء في تصميم وقوة يتطلب روحاً من التعبد والتقشف، أي تكريس الحياة لبلوغ مثل أعلى واحد، اختاره الإنسان بعناية وتفطن ... 
إن الإرادة تغلب دائماً الثقافة، حينما تكون الثقافة لا المبادئ الدينية هي التي يرتكز عليها تصميم المرء ونشاطه ومدده الروحاني" هذا موقف . 
 والموقف الآخر من تاريخنا العربي الإسلامي القديم:
فقد بعث محمد رسول الله وللخمر في المجتمع العربي سريان وانتشار. تجري من نفوس أبنائه مجرى الدم، يتمدحون بشربها، ويفتنون في وصفها ووصف مجالسها وندمائها وأقداحها، ويصور شاعرهم مدى تعلقه بها فيقول: فنجد العرب قديما في الجاهية تعلقت قلوبهم بالخمر قبل الإسلام وتمدحهم بشربها وتفننهم في وصفها ..
 اسمعوا إلي ما يقول الشاعر في التعلق بها : إذا مت فادفني إلي جنب كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها ولم يستطع امرؤ القيس الشاعر المعروف -وقد بلغه قتل أبيه- أن يدع الكأس من يده، ويفارق مجلس ندمائه بل قال كلمته المشهورة: "اليوم خمر وغداً أمر". ولم يعرف المجتمع الجاهلي إلا أفراداً معدودين على الأصابع عافوا شرب الخمر مروءة وسجل لهم ذلك التاريخ كمأثرة نادرة، كزيد بن عمرو بن نفيل. ومما يدل على اهتمامهم بالخمر أنهم وضعوا للتعبير عنها أسماء كثيرة، وكنايات مختلفة، وألقاباً متعددة - المدامة، السلافة، الراح، الصهباء، ابنة العنقود، ابنة الكرم، بنت الحان، بنت الدنان ... إلى آخر الأسماء التي بلغت أكثر من مائة . 
 كما أن تجارتها عندهم كانت في نماء وازدهار. ومن أدلة شغفهم بها، وتمكنها من نفوسهم، أن كثيراً من الصحابة بعد أن نزلت الآيتان الأوليان في شأن الخمر: (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) (البقرة: 219)، و (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) (النساء: 43) ولم يكن التحريم فيهما صريحاً حاسماً، لم يزالوا يشربون الخمر مادام في النص متسع لهم. ذلك أن الإسلام تدرج معهم في تحريم الخمر - رفقاً بهم وتيسيراً عليهم- حتى نزلت آية المائدة الصريحة القاطعة: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) (المائدة: 90، 91)
 وهنا رأينا العجب ... رأينا الرجل يحطم كأسه، ويسفك ما عنده من خمر في الطريق حتى تفيض طرقات المدينة بما كان عند الناس منها. 
 عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا أيها الناس إن الله يبغض الخمر، ولعل الله سينزل فيها أمراً، فمن كان عنده شيء فليبعه ولينتفع به" (وذلك قبل التحريم النهائي) 
قال أبو سعيد: فما لبثنا إلا يسيراً، حتى قال: "إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية -يعني آية المائدة السابقة- وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبيع"، قال أبو سعيد: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها -أي صبوها وأسالوها- (رواه مسلم).
 وعن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب فجاءهم آت فقال: إن الخمر حرمت ... فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها ... فأهرقها. (متفق عليه).
 وعن أبي موسى الأشعري قال:ــ بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر حلة -أي حلالاً- إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر) (المائدة: 90) - إلى قوله: (فهل أنتم منتهون) (المائدة: 91) 
فجئت إلى أصحابي، فقرأتها عليهم ... قال: وبعض القوم شربته في يده شرب بعضاً وبقي بعض في الإناء ... فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا ... انتهينا ربنا، (رواه الطبري في تفسير آية المائدة). 
 فهل رأت البشرية مثل هذا انتصاراً على النفس، وسرعة في الاستجابة، وقوة في الانقياد للأمر مهما يكن مخالفاً للعادات، مصادماً للشهوات؟ هكذا الإيمان يصنع العجائب حين يخالط بشاشته القلوب ، وتترسخ جذوره في الضمائر والنفوس .. 
بل يقوم بدوره الكبير في الإصلاح والتهذيب ، مما تعجز عنه دول وتفشل في تحقيقه أساطيل . فما أحوج المجتمعات الإنسانية إلي مثل هذا الإيمان ، وإلي مثل هذه التربية الصالحة . لأن الشاب المتدين الملتزم بدينه ، وبقيم دينه ، وبأخلاق دينه ، هو أبعد الناس أن يقع فريسة لهؤلاء ، لأنه لا يشرب حتي السيجارة فهو يراها حراما ومنكرا ، وأول الآفات هي السيجارة ، من السيجارة يبدأ الفساد ومن خلالها يمكن أن يأخذه دعاة الفساد وتجار الشر إلي الأشياء الأخري والمنكرات الكبري .
 أما ابن المسجد الذي تربي ونشأ وترعرع في بيوت الله وفي ظل روضة القرآن الكريم يستعصي علي هؤلاء الفسدة المفسدين في الأرض لأن الله حصنه بالإيمان وبالإستقامة علي الإيمان ، فلا يستطيع شياطين الإنس أن يصلوا إليه كما عجز شياطين الجن أن يصلوا إليه فقال تعالي (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) الإسراء .
وقال تعالي (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ )(100) النحل . 
وقال تعالي (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) الحجر .
 2 ـ تفادي الأسباب المؤدية للإدمان .. 
 3 ــ الرحمة مع المدمن في العلاج والشفقة عليه ، والتدرج معه... وذلك بتتبع الحكمة في إرشاده باللطف واللين والموعظة الحسنة مسترشدًا بقول الله ـ عز وجل ـ‏:‏ ‏{‏ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 125‏]‏‏.‏ 
 والبعد كل البعد عن التعصب والشدة لقوله تعالى‏:‏ فيتبع معه الأسلوب غير المباشر لأن مواجهة الشاب بأخطائه مباشرة تزيده إصرارًا وعنادًا وقد كان النبي ‏(‏وهو قدوتنا إذا رأى من قوم ما يكره قال‏:‏ ‏(‏ما بال أقوام يفعلون كذاوكذا‏)‏ دون تخصيص، كذلك النصيحة له على انفراد فإنها أدعى للقبول.
 يقول الإمام الشافعي‏ رحمه الله تعالي:‏ 
 تعمدني بنصحك في انفرادي ** وجنبني النصيحة في الجماعـه
 فإن النصح بين الناس نوع ** من التوبيخ لا أرضى استماعــه .


ومن الأساليب الناجحة في هداية المنحرفين زيارتهم وتلمس حاجاتهم وتذكيرهم كلما سنحت الفرصة وإلقاء قصص التائبين على أسماعهم فإنها مما تهش له القلوب وتنشرح له الصدور وتتغلغل في نفوس العصاة شيئًا فشيئًا حتى تحرك ضمائرهم وتوقظهم من الغفلة التي رانت على قلوبهم ردحًا من الدهر وماتزال بهم حتى تخشع أفئدتهم للتذكرة والموعظة ثم ما تلبث أن تلين قلوبهم لذكر الله‏:‏‏؟‏ 4ــ تطبيق العقوبة علي مرتكبي هذه الجريمة :ــ 
 إن الإسلام الحنيف وضع العقوبة الزاجرة لكل من يحتسي الخمر وهي مقدرة ما بين ( 40 إلي 80 ) ، وهذا لا يمنع من وضع عقوبة تعزير من حبس وتغريم ومصادرة . أما بالنسبة للإتجار في المخدرات نتعتبر تجارة موت لأنهم بتاجرون بأعمار الشباب سر نهضة الأمة وعمادها فهؤلاء عقوبتهم الموت لأنعم يتسببون في قتل الشباب ، والقرآن شرع القصاص لمن قتل نفسا بغير نفس .
فقال تعالي (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) المائدة .
 هؤلاء يريدون أن يكسبوا الثروات علي حساب حياة البشر ، وأن يبنوا قصورا من جماجم الخلق ويزخرفوها بدماء الناس ، هؤلاء العتاة القساة الطواغيت لا علاج لهم ولا عقوبة لهم إلا الموت ، إلا الإعدام .
فاللهم احفظ شبابنا من الانحراف وجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن واهدهم سبل الهدي والرشاد .
اللهم آمين .
 انتهت بفضل الله

13 مارس 2017

مناقب أمنا عائشة رضي الله عنها

مناقب أمنا عائشة رضي الله عنها


الحمد لله رب العالمين ...يصفي من عباده من يشاء . اصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ..فقال تعالي (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير ) الحج .74.

 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير ... اصطفي آل بيت النبي صلي الله عليه وسلم وطهره تطهيرا فقال تعالي ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ، واذكرن ما يتلي في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا . الأحزاب . 34،33 .

 وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله صلي الله عليه وسلم .أمر بحب أصحابه وآل بيته ونهي عن سبهم فقال صلي الله عليه وسلم ( لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) أي نصف المد ) رواه البخاري .

 فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلي يوم الدين .

 أما بعــــــــــــــــد ... فيا أيها المؤمنون

 لقد قام بعض النكرات بالنيل من أصحاب رسول الله وبعض أزواجه كأمنا عائشة رضي الله عنهم وعن آل بيت رسول الله جميعا . فهم لا يضرهم هذا الهراء فلا يضر السحاب نبح الكلاب ولكن واجبنا أن نقف مع هؤلاء الكبار فهذا شرف أن نتحدث عنهم وهم ليسوا في حاجة أن ندافع لأن الله تعالي اختارهم لصحبة نبيه صلي الله عليه وسلم وبرأ أمنا عائشة رضي الله عنها من فوق سبع سماوات بقرآن يتلي إلي يوم القيامة ويتعبد بتلاوته في سورة النور. وحديثا في هذا الموضوع يتناول عدة نقاط :ـ

 1ـ فضل الصحابة جملة .
 2ـ تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم .
 3ـ من هم آل بيت رسول الله صلي الله عليه وسلم . 
 4ـ فضل أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها . 
 5ـ واجبنا نحو الصحابة رضي الله عنهم جميعا . 

العنصر الأول : فضل الصحابة جملة :ـ

 لقد ثبت بهم حجة الله -تعالى -على المسلمين فهم خير القرون ، وخير أمة أخرجت للناس ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم ، وثناء رسوله -عليه السلام- ، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته ، ولا تزكية أفضل من ذلك ، ولا تعديل أكمل منه قال الله تعالى ذكره ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود)( الفتح: 29) "
 والصحابة أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، وأقومها هديا ، وأحسنها حالا اختارهم الله لصحبة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وإقامة دينه " . كما قاله ابن مسعود _رضي الله عنه . "فحبهم سنة والدعاء لهم قربة والإقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة " وهم صفوة خلق الله تعالى بعد النبيين -عليهم الصلاة والسلام- فعن ابن عباس _رضي الله عنهما_ في قول الله عز وجل ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) (النمل:59)
قال : أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-. وقد ورد في فضلهم آيات وأحاديث كثيرة منها : قوله تعالى ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100)
 وقال تعالى ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (الفتح:18) وفي آيات عديدة ذكرهم الله تعالى وترضى عنهم .
 ومما جاء في السنة : ومما جاء في فضلهم -رضي الله عنهم- حديث ابن مسعود _رضي الله عنه_ عن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال : ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) " وإنما صار أول هذه الأمة خير القرون ؛ لأنهم آمنوا به حين كفر الناس ، وصدقوه حين كذبه الناس ، وعزروه ، ونصروه ، وآووه ، وواسوه بأموالهم وأنفسهم ، وقاتلوا غيرهم على كفرهم حتى أدخلوهم في الإسلام " .
 ومما جاء في فضلهم ما رواه أبو بردة _رضي الله عنه_ قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - (النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ) " وهو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة من طمس السنن وظهور البدع وفشو الفجور في أقطار الأرض "

العنصر الثاني:  تحريم سب الصحابة :ـ

تحريم سب الصحابة والوعيد الشديد فيمن آذى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن مغفل المزني _رضي الله عنه_ قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( الله الله في أصحابي الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ) قال المناوي _رحمه الله تعالى_ " ( الله الله في حق أصحابي ) أي اتقوا الله فيهم ، ولا تلمزوهم بسوء ، أو اذكروا الله فيهم وفي تعظيمهم وتوقيرهم ، وكرره إيذانا بمزيد الحث على الكف عن التعرض لهم بمنقص ( لا تتخذوهم غرضا ) هدفا ترموهم بقبيح الكلام كما يرمى الهدف بالسهام هو تشبيه بليغ ( بعدي ) أي بعد وفاتي " وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( مَن سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) .
 لقد عرف السلف الصالح فضل الصحابة الكرام وبيَّنوا ذلك وردوا على كل من أراد انتقاصهم _رضي الله عنهم_ قال ابن عمر _رضي الله عنهما_ " لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عُمره ". وجاء رجل إلى عبد الله بن المبارك وسأله أمعاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز فقال " لتراب في منخري معاوية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز ".

 وجاء رجل إلى الإمام أبي زرعة الرازي -رحمه الله- فقال : يا أبا زرعة أنا أبغض معاوية . قال : لِمَ ؟ قال : لأنه قاتَل عليا . فقال أبو زرعة : إن ربَّ معاوية ربٌّ رحيم وخصمَ معاوية خصمٌ كريم فما دخولك أنت بينهما _رضي الله عنهم_ أجمعين . وقال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- " إذا رأيت رجلا يذكر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسوء فاتهمه على الإسلام " وقال –رحمه الله تعالى- " لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فان تاب قبل منه وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده الحبس حتى يموت أو يراجع "
 وقال بشر بن الحارث _رحمه الله تعالى_ " مَن شتم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر وإن صام وصلى وزعم أنه من المسلمين " . ولعل كثيرا من الكتاب ممن في قلوبهم مرض الذين ينتقصون أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم – في الصحف وغيرها يرون أن الوقت لم يحن بعد لانتقاص القرآن والسنة فرأوا أن تقليل شأن الصحابة الكرام عند الناس هو من أخصر الطرق لرد الكتاب والسنة كما قال أبو زرعة _رحمه الله تعالى_ " إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة " ا.هـ.
 وقال السرخسي _رحمه الله تعالى " فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام دواؤه السيف إن لم يتب " ا.هـ .
 وقال الإمام محمد بن صُبيح بن السماك _رحمه الله تعالى_ لمن انتقص الصحابة " علمتَ أن اليهود لا يسبون أصحاب موسى -عليه السلام- وأن النصارى لا يسبون أصحاب عيسى -عليه السلام- فما بالك ياجاهل سببت أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ؟ وقد علمتُ من أين أوتيتَ لم يشغلك ذنبك أما لو شغلك ذنبك لخفت ربك ، ولقد كان في ذنبك شغل عن المسيئين فكيف لم يشغلك عن المحسنين ؟ أما لو كنت من المحسنين لما تناولت المسيئين ، ولرجوت لهم أرحم الراحمين ، ولكنك من المسيئين فمن ثَمَّ عبت الشهداء والصالحين ، أيها العائب لأصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- لو نمتَ ليلك ، وأفطرت نهارك لكان خيرا لك من قيام ليلك ، وصوم نهارك مع سوء قولك في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فويحك لا قيام ليل ، ولا صوم نهار ، وأنت تتناول الأخيار فأبشر بما ليس فيه البشرى إن لم تتب مما تسمع وترى .. وبم تحتج يا جاهل إلا بالجاهلين ، وشر الخلف خلف شتم السلف لواحد من السلف خير من ألف من الخلف " ا.هـ
 وقال ابن الصلاح _رحمه الله تعالى_ " إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة , ومَن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعتد بهم في الإجماع " ا.هـ. ذكر فضلهم في كتب العقائد رفعا لشأنهم وعلوا لمنزلتهم : قال الطحاوي في العقيدة الطحاوية :ـ_رحمه الله تعالى " ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و لا نُفرط في حب أحد منهم ، ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم ، وبغير الحق يذكرهم ، ولا نذكرهم إلا بخير ، وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان " ا.هـ.
 وذكر الحميدي رحمه الله تعالى أن من السنة " الترحم على أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- كلهم فإن الله عز وجل قال ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ ) (الحشر:10) فلم نؤمر إلا بالاستغفار لهم ، فمن سبهم أو تنقصهم أو أحدا منهم فليس على السنة وليس له في الفيء حق ، أخبرنا غير واحد عن مالك بن أنس " ا.هـ

 فينبغي علي المسلم ألا يقول إلا كما قال الله تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ )

 العنصر الثالث : من هم آل بيت رسول الله صلي الله عليه وسلم:ـ ـ 

هناك أربعةُ أقوالٍ في آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم : *القول الأول : أنَّ آلَ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم أزواجُه وذريَّته ، هؤلاء هم آلُ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وأخذوا ذلك منَ اللُّغةِ ، قالوا : آلُ الرَّجُلِ أهلُه ، وأصلُ آل أهل ، ولذلك نحن نقولُ فلان تأهَّل يعني تزوَّج . و قالَ الله عن موسى : " وَسَارَ بِأَهْلِهِ (29) " سورة القصص )، أي بزوجتهِ ، وقالَ : " .... رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ...(73) " سورة هود )، إبراهيم وزوجته ، فأهلُ الرَّجُلِ زوجتُه وذريَّته فقالوا : إذًا آلُ الرَّجُلِ هم زوجتُه وذريته ، هؤلاء هم آلُ الرَّجل ، إذاً هؤلاء هم آل بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم . ولذلك لما سئلت أمنا عائشة رضيَ الله عنها عن طعام النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في البيت فقالتْ : " كانَ طعامُ آلِ محمَّد قوتاً " . ( يعني الشيء اليسير ، وسمَّت بيتَها بيتَ آلِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ) وكانَ النبيُّ إذا دخلَ بيتَه أحياناً يقولُ : السَّلام عليكم أهلَ البيتِ ، لزوجتهِ عائشة أو حفصة أو... يسلِّم عليهنَّ بلفظِ أهلِ البيتِ . فهذا إذًا القول الأول أنَّ الأهلَ هم الزَّوجة والذُّرية ، وكلُّنا يعلمُ قولَ الله تبارك وتعالى عن امرأةِ العزيز لما جاءَ زوجُها قالتْ : " .... مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا ....(25) " سورة يوسف ، تعني نفسَها أنها زوجة العزيز .

 *القول الثاني : أنَّ آلَ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم بنو هاشم ، أقارب النبيِّ منْ هاشم ، نحن نعرفُ الآنَ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم محمَّد بنُ عبد الله بنِ عبد المطلب بنِ هاشم ، فقالوا : كلّ مَنْ يرجعُ نسبُه إلى هاشم فهو منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، كلّ مَنْ يرجعُ نسبُه إلى هاشم فهو منْ آلِ بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .

 *- القول الثالث : أنَّ آلَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم جميعُ المؤمنين . جميعُ المؤمنين آلُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لأنهم تابعوه وناصروه ووقفوا معه ، فهؤلاء هم آلُه ، كما قالَ الله تبارك وتعالى : { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46) } سورة غافر ،
و ليس المقصود بآلِ فرعون أقارب فرعون وإنما المقصود أتباع فرعون على دينه . فقالوا : إذا سمَّى أتباعه آلاً ، سمَّى أتباعه آلاً له إذاً آلُ الرَّجُلِ هم مَنْ يتبعُه على دينهِ . فقالوا : كلّ مَنْ تبعَ شيئاً صارَ منْ آلهِ كما قال عبد المطلب عندما جاء أبرهة لهدم الكعبة. وانصرْ على آل الصَّليبِ وعابديهِ اليومَ آلَكْ وقالَ عن أتباع الصَّليب آل الصَّليب إذاً هذه ثلاثةُ أقوالٍ . كما ترون أنَّ جميعَ الأقوالِ هذه لها وجهٌ منْ حيثُ اللُّغةِ ولها وجهٌ منْ حيثُ النُّصوص ، والأقربُ - والعلمُ عند الله تبارك وتعالى - أنَّ آلَ الرَّجُلِ زوجتُه وذُرَّيته لا شكَّ في هذا ، لكنْ آل الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بذاتهِ هم بنو هاشم بالأصالة لأنهم أقاربُه الأقربون صلَّى الله عليه وسلَّم ، ويدخلُ أزواجُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالتبعيَّة لما تزوجهنَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم .

هناك قولٌ رابعٌ ضعيفٌ جِدّاً وهو ما يتبنَّاه الشيعةُ في هذا الأمر ، وهو أنهم قالوا : إنَّ آلَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم أصحابُ الكساءِ ، يعنون عليّاً وفاطمةَ والحسنَ والحسين فقط ، يقولون إنَّ هؤلاء آلُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم . قالوا : لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جلَّلهم بالكساءِ ، وذلك أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم دعى عليّاً وفاطمة والحسن والحسين وغطَّاهم بالكساء ( العباءة ) غطَّاهم ثم قالَ : " اللهمَّ هؤلاءِ أهلُ بيتي ، اللهمَّ أذهب عنهم الرِّجسَ وطهِّرهم تطهيراً " .

نقولُ : نعم هذا دليلٌ على أنَّ هؤلاء منْ آلهِ لأنَّ فاطمةَ ابنتُه وعلي منْ أولاد عبد المطلب والحسن والحسين أبناء عليّ وأبناء فاطمة ، فطبيعي جِدّاً أنهم منْ آلِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لكنْ ليس في الحديثِ أنَّ هؤلاء فقط هم آلُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم . فالحديثُ يدلُّ على أنَّ هؤلاء منْ آلِ النبيِّ ، ولا يعني أبداً أنَّ هؤلاء فقط هم آلُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فالرَّاجحُ - والعلمُ عند الله تبارك وتعالى - أنَّ آلَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هم أبناءُ هاشم وأزواجُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، أمَّا أبناءُ هاشم فهم الذين حُرِّمَتْ عليهمُ الزَّكاةُ ، و أمَّا أزواجُه فباقترانهِ بهنَّ ، وإلا قبلَ زواجهِ بهنَّ لم يكنَّ منْ آلِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .

العنصر الرابع : فضل أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها :ـــ 

 روى الإمام أحمد عن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام" وسأله عمرو ابن العاص رضي الله عنه فقال : أي الناس أحب إليك؟ فقال "عائشة" فقال ومن الرجال؟ قال :"أبوها"ثم من قال عمر ابن الخطاب ) فكفي أن الرسول كان كثيرا ما يقول"اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلومني فيما تملك ولا أملك"فكان الرسول شديد الحب لعائشة أكثر من نسائه الأخريات. الصِّدِّيقةُ بنت الصِّدِّيق, حبيبةُ الحبيب, وإلفُهُ القريب, الطَّيِّبةُ زوجُ , والطَّيِّباتُ للطَّيِّبينَ والطَّيِّبونَ للطَّيِّبات الطَّيِّب ،المُبَرَّأةُ مِن فوقِ سبع سماوات, لم يتزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم بِكْراً غيرها, ولم ينزل عليه الوحيُ في لِحافِ امرأةٍ سواها, ولم يَكُنْ في أزواجِهِ مَن هي أحبُّ إليه منها.

 من أفضل نساء الإسلام ومن افقه نساء الإسلام بدين الإسلام بل هي افقهن على الإطلاق . هيا الله لها البيت الكريم وأنبتها نباتا حسنا في بيت الصديق ثم شرفها فجعلها إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات ودخلت بيت النبوة في باكورة شبابها فصنعت على يد النبي وصارت تلميذته النجيبة والمرأة المسلمة المثالية . كانت الأثيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في شانها قران يتلى آناء الليل وأطراف النهار فيه براءتها وتشريفها وعرف الصحابة مكانتها فحلت في أنفسهم المحل الأسمى وكانت مرجعهم في معضلات العلم ودقائق المسائل وتكرر ذكرها وبكثرة على الستة علماء الأمة وفي دواوين الإسلام الكبرى عبر القرون الماضية ولا زال تزوجها النبي صلي الله عليه وسلم وهيَ ابنَةُ سِتٍّ وقيلَ سَبعُ سنينَ، وبنى بها وهي ابنةُ تِسعِ سنِينَ، وتُوفّي عنها وهي ابنةُ ثمَانِ عَشْرةَ. تُوفّيَت في شهرِ رمَضانَ ليلة الثلاثاءِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضتْ منه وذلكَ في سَنةِ ثمانٍ وخمسينَ. وصلى عليها أبو هريرةَ نائبُ مَروانِ ابنِ الحكَم بالمدينة، ودُفِنت بالبقيع بعدَ الوِتر مِن لَيلَتِهَا.

 عن هِشامِ بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ عن عائشةَ أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:" أُرِيْتُكِ في المنَامِ مَرّتَين، أَرَى أنّ رَجُلا يَحمِلُكُ في سَرَقَةِ حَريرٍ فيَقُولُ هَذِه امرَأَتُكُ فَأكْشِفُ فَأَراكِ، فأَقُولُ إنْ كانَ هَذا مِن عِندِ اللهِ يُمْضِه" اتّفقَ الأئمّةُ على صِحّته، رواه البخاريُّ ومسلم. وقَولُه"سَرَقَة حَرير" بفتح الرّاء وهيَ الشّقَّةُ، ويُمْضِه يُتْمِمْهُ واللهُ أعلَمُ.

ومَنامُ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمنزِلَةِ الوَحيِ. قالت أمّ سلَمَة تقولُ:كَلَّمَني صَواحِبي أن أُكَلّمَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وكانت أمُّ سلَمة وأمُّ حَبِيبَة بنتُ أبي سفيانَ وزينبُ بنتُ خُزيمةَ وجُوَيرية بنتُ الحارث وميمونةُ بنتُ جَحش في الجانِب الشّاميّ، وكانت عائشةُ وصَفِيّةُ وسَودَةُ في الشِقّ الآخَر، فقالت أمُّ سلَمة كلَّمَني صَواحِبي فقلنَ كلِّمِي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فإنَّ النّاسَ يُهدُونَ إليهِ في بَيتِ عَائشةَ ونحنُ نُحِبُّ ما تُحِبّ فيَصرفُونَ إليهَ هَدِيّتَهُم حيثُ كانَ، قالت أمُّ سلَمَة فلمّا دخَلَ عَليّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قلتُ يا رسولَ الله إنّ صَواحِبي قَد أَمَرنَني أن أُكلّمَك تَأمُر النّاسَ أن يُهدُوا إليكَ حيثُ كُنتَ، وقُلنَ إنّا نُحبّ ما تُحِبّ عائشة، قالت فلم يُجِبني، فسألنني فقلتُ لم يرُدَّ عليّ شيئًا، فلمّا كانَت الثالثةُ عُدْتُ إليه فقال: لا تُؤذِيني في عائشةَ، فإنّ الوَحيَ لم يَنزِل عَليّ في لحِافِ واحِدةٍ مِنكُنّ غَيرِ عَائشةَ .

عن جعفرِ بنِ محمد عن أَبيه قال:لمّا ثَقُلَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في مَرضِه الذي تُوفّيَ فيهِ قال:"أَينَ أنَا غَدًا" قالوا عندَ فُلانةَ، قالَ: " أَينَ أنَا بعدَ غَدٍ" قالوا عندَ فلانةَ، قال فَعَرفَ أَزواجُه أنّه يُريدُ عائشةَ رضي الله عنها، فقُلنَ يا رسولَ اللهِ قَد وهَبْنَا أيّامَنَا لأختِنَا عائشةَ". فضائلها ومناقبها :ــ السيدة الزاهدة:- لقد ثبتت السيدة عائشة على صعوبة الحياة وقسوتها فلم تغير منها شيئا وقد وصفها أبي نعيم في الحلية (كانت للدنيا قالية,وعن سرورها لاهية,والى فقد أليفها باكية.

السيدة العابدة:ــ
 تأثرت السيدة كثيرا بعبادة النبي صلى الله عليه وسلم ومنهجه فيهالانها كانت الصق الناس به وأكثرهم اطلاعا على عباداته. السيدة السخية:ــ لقد بلغت السيدة عائشة ابلغ درجات الجود والسخاء , فكل مال يصل إليها تتصدق به سواء كثيرا أوقليلا.

والقصص في ذلك كثيرة.

 السيدة العالمة:
 وهو من ابرز صفات السيدة عائشة فقد بلغ علمها ذروة الإحاطة في كل ما اتصل بالدين من قران وتفسير وفقه وحديث حتى ذهب الحاكم في مستدركه الى أن ربع أحكام الشريعة نقلت عنها . و قد قال الزهري عنها: لو جمع علم عائشة الى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل . وعن مسروق قال :"نحلف بالله لقد رأينا كبار الصحابة يسألون عائشة عن الفرائض."
 -فهي التلميذة النبوية -معلمة العلماء ،-السيدة المفسرة ، -السيدة المحدثة -السيدة الفقيهة ،
-معرفتها بالطب ، -معرفتها بالأنساب ، -السيدة الأديبة الفصيحة . ) ومِن فضلها أنَّه لا تُعلَمُ امرأةٌ في الدُّنيا هي أعلمُ بشرعِ الله منها, حُبُّها قُربةٌ, وبُغْضُها ضلالٌ, وسَبُّها فُجورٌ, وقَذْفُها كُفْرٌ,

وقد أجمع العلماء على كفرِ مَن قَذَفَها بعد براءتها؛ لأنَّه مُكَذِّبٌ للقرآن. مَن رَضِيَها أُمًّا له فهو مؤمن, ومَن لم يرضها فليس بمؤمن, وصَدَقَ الله إذ يقول: ( النَّبيُّ أَوْلَى بالمؤمنينَ مِن أَنفُسِهِمْ وأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ)

*فواجبنا نحوهم يتمثل في محبتهم والإقتداء بهم والدفاع عنهم والغيرة عليهم.فهذه بعض الكلمات علي لسن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .
 يا مُبْغِضِي لا تَأْتِ قَبْرَ مُحَمَّدٍ *** فالبَيْتُ بَيْتِي والمَكانُ مَكانِي
إِنِّي خُصِصْتُ على نِساءِ مُحَمَّدٍ *** بِصِفاتِ بِرٍّ تَحْتَهُنَّ مَعانِي
 وَسَبَقْتُهُنَّ إلى الفَضَائِلِ كُلِّها *** فالسَّبْقُ سَبْقِي والعِنَانُ عِنَانِي
مَرِضَ النَّبِيُّ وماتَ بينَ تَرَائِبِي *** فالْيَوْمُ يَوْمِي والزَّمانُ زَمانِي
 زَوْجِي رَسولُ اللهِ لَمْ أَرَ غَيْرَهُ *** اللهُ زَوَّجَنِي بِهِ وحَبَانِي
 وَأَتَاهُ جِبْرِيلُ الأَمِينُ بِصُورَتِي *** فَأَحَبَّنِي المُخْتَارُ حِينَ رَآنِي
 أنا بِكْرُهُ العَذْراءُ عِنْدِي سِرُّهُ *** وضَجِيعُهُ في مَنْزِلِي قَمَرانِ
 وتَكَلَّمَ اللهُ العَظيمُ بِحُجَّتِي *** وَبَرَاءَتِي في مُحْكَمِ القُرآنِ
 أَوْحَى إلَيْهِ وَكُنْتُ تَحْتَ ثِيابِهِ *** فَحَنا عليَّ بِثَوْبِهِ خَبَّاني
 مَنْ ذا يُفَاخِرُني وينْكِرُ صُحْبَتِي *** ومُحَمَّدٌ في حِجْرِهِ رَبَّاني؟
وأَخَذْتُ عن أَبَوَيَّ دِينَ مُحَمَّدٍ *** وَهُما على الإسْلامِ مُصْطَحِبانِ
وأبي أَقامَ الدِّينَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ *** فالنَّصْلُ نَصْلِي والسِّنانُ سِنانِي
 والفَخْرُ فَخْرِي والخِلاَفَةُ في أبِي *** حَسْبِي بِهَذا مَفْخَراً وكَفانِي
وأنا ابْنَةُ الصِّدِّيقِ صاحِبِ أَحْمَدٍ *** وحَبِيبِهِ في السِّرِّ والإعلانِ
 نَصَرَ النَّبيَّ بمالِهِ وفَعالِهِ *** وخُرُوجِهِ مَعَهُ مِن الأَوْطانِ ثانِيهِ
في الغارِِ الذي سَدَّ الكُوَى *** بِرِدائِهِ أَكْرِمْ بِهِ مِنْ ثانِ مَنْ حَبَّنِي
فَلْيَجْتَنِبْ مَنْ َسَبَّنِي *** إنْ كَانَ صَانَ مَحَبَّتِي وَرَعَانِي
 وإذا مُحِبِّي قَدْ أَلَظَّ بِمُبْغِضِي *** فَكِلاهُمَا في البُغْضِ مُسْتَوِيَانِ
 إنِّي لَطَيِّبَةٌ خُلِقْتُ لِطَيِّبٍ *** ونِسَاءُ أَحْمَدَ أَطْيَبُ النِّسْوَانِ
 إنِّي لأُمُّ المُؤْمِنِينَ فَمَنْ أَبَى *** حُبِّي فَسَوْفَ يَبُوءُ بالخُسْرَانِ
 اللهُ حَبَّبَنِي لِقَلْبِ نَبِيِّهِ *** وإلى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ هَدَانِي
 واللهُ يُكْرِمُ مَنْ أَرَادَ كَرَامَتِي *** ويُهِينُ رَبِّي مَنْ أَرَادَ هَوَانِي
 واللهَ أَسْأَلُهُ زِيَادَةَ فَضْلِهِ *** وحَمِدْتُهُ شُكْراً لِمَا أَوْلاَنِي
 يا مَنْ يَلُوذُ بِأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ *** يَرْجُو بِذلِكَ رَحْمَةَ الرَّحْمانِ
 صِلْ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ ولا تَحِدْ *** عَنَّا فَتُسْلَبَ حُلَّةَ الإيمانِ
 إنِّي لَصَادِقَةُ المَقَالِ كَرِيمَةٌ *** إي والذي ذَلَّتْ لَهُ الثَّقَلانِ
 خُذْها إليكَ فإنَّمَا هيَ رَوْضَةٌ *** مَحْفُوفَةٌ بالرَّوْحِ والرَّيْحَانِ
 صَلَّى الإلهُ على النَّبيِّ وآلِهِ *** فَبِهِمْ تُشَمُّ أَزَاهِرُ البُسْتَانِ
 فاللهم ارض عن أصحاب نبيك وأزواجه أمهات المؤمنين واحشرنا وإياهم في زمرة سيد المرسلين والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .