🌹قد
يُثاب المرء رغم أنفه🌹
------------------
كتبت شابةٌ على صفحتها بأحد مواقع
التواصل الاجتماعي:
لم أُدرك بعُمق معنى العبارة القائلة
(قد يُثاب المرء رغم أنفه) إلا بالأمس فقط؛ فقد كنتُ في منزلي أستعد للخروج لموعدٍ
هامٍ، وكنتُ في عجلةٍ شديدةٍ من أمري. دخلتُ الشُرفة لجلب غرضٍ ما قبل المُغادرة،
فجأةً، انهمر عليَّ دلوٌ من الماء غمرني من رأسي حتى قدميّ، بالطبع انتابتني نوبة
غضبٍ عارمةٌ، وشرعتُ في الصُراخ والاحتجاج، ثم استدعيتُ حارس البناية لأستعلم منه
عن الشخص الذي يقوم بتنظيف شُرفته في ذلك الوقت، فأخبرني برقم الشقة في الطابق
العُلوي، ومن شدة غضبي فتحتُ هاتفي المحمول ودخلتُ إلى المجموعة الخاصة بسُكان
البناية وأرسلتُ رسالةً صوتيةً تُعبِّر عن غضبي الشديد، ثم اتصلتُ بمالك هذه الشقة
ووبَّخته وتحدثتُ معه بحدةٍ وانفعالٍ، والحقيقة أنه كان يُجيبني بهدوءٍ بالغٍ،
فسَّرتُه حينها بأنه برودٌ منه، مما زاد من اشتعال غضبي. بعد أن هدأت ثورتي، أوضح
لي الرجل أن الأمر لم يكن مقصوداً على الإطلاق، ووعدني بإبلاغي مُستقبلاً قبل
البدء في التنظيف، ثم ختم حديثه بلُطفٍ قائلاً: "حصل خيرٌ، تشرفنا بمعرفتكِ،
وتفضلي بشُرب القهوة مع زوجتي".
رغم استعجالي ذهبتُ إليها بالفعل
بنية عتابها وإفهامها أن ما حدث لا يصح، لكن الحديث أخذ مساراً آخر؛ فبعد أن
استمعت الجارة لشكوتي ردَّت عليّ بأدبٍ جمٍّ أخجلني؛ ثم دعتني لشُرب القهوة، ولا
أعرف ماذا دهاني، حتى أنني ألغيتُ ارتباطي وموعدي! وجدتُ نفسي قد ارتحتُ لهذه
المرأة الطيبة، وقبلتُ دعوتها لشُرب القهوة، وبدأنا حديثاً ودياً حيث أخذت تقصُّ
عليَّ اهتمامها بالعمل الخيري، وحكت لي عن مُعاناة أُسرةٍ تمر بظروفٍ قاسيةٍ،
ولديهم طفلةٌ تحتاج إلى عمليةٍ جراحيةٍ عاجلةٍ؛ فأخبرتُها بأنني سأرى ما يُمكنني
فعله.
بعد انتهاء زيارتي لجارتنا تواصلتُ
مع صديقةٍ لي يُمكن أن تُساعد تلك الأُسرة وحكيتُ لها عن حالة الطفلة؛ فرحبت
بمُساعدة الأُسرة ومُتابعة حالة الطفلة، وتم بالفعل ترتيب أمر اصطحاب الطفلة
والذهاب بها إلى الطبيب الذي قام بفحصها، وأجرى لها الجراحة بعد يومين.
حين تأملتُ هذا الموقف، أيقنتُ أن ما
حدث لم يكن مُجرد صُدفةٍ، وإنما هو تدبير الله سُبحانه؛ هو ما جعلني أدخل الشُرفة
في تلك اللحظة تحديداً، ويحدث ما حدث ليكون سبباً لصُعودي إلى شقة جارتنا، وبدلاً
من استمرار النزاع، ينفتح باب الحديث عن الأُسرة الفقيرة والطفلة المريضة؛ لنصل في
النهاية إلى هذه النتيجة الطيبة، تمت كُل هذه الترتيبات الإلهية كي أكون حلقة وصلٍ
وسبباً في تفريج كُربة أُسرةٍ وإنقاذ حياة طفلةٍ؛ فأنال الثواب دون تخطيطٍ مُسبقٍ
أو جُهدٍ يُذكر؛ فالحمد لله دائماً على تدبيره، والحمد لله على ترتيباته لنا ولُطفه
بنا.
👈أحبتي
في الله..
يُمكن اختصار هذه القصة في الآية الكريمة:
﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾؛
فمن تدبيره عزَّ وجلَّ ترتيب تلك
الأحداث، ليس لمصلحة الطفلة المريضة وأُسرتها فحسب، بل وكان من تدبيره ولُطفه
سُبحانه وتعالى إثابة الشابة التي روت القصة على جُهدٍ قامت به، لم تكن تُفكر فيه،
ولم تُخطط له، بل حدث ذلك الموقف وتطور على غير إرادتها، حتى إن مقولة (قد يُثاب
المرء رغم أنفه) قد انطبقت تماماً عليها!
🌹🌹🌹🌹🌹🌹
وهذه قصةٌ أُخرى رواها طبيبٌ كان
يعمل في مجال علاج سرطان الدم، بمعهد الأورام بمدينة «المنيا» المصرية.
كتب يقول: من عادتي أن أترك هاتفي في وضع الصامت
دائماً عندما أخلد إلى النوم، لأن رنينه يُسبب لي إزعاجاً شديداً، وهذا دأبي مُنذ
أكثر من عشر سنواتٍ. وفي إحدى ليالي الشتاء شديدة البُرودة، فوجئتُ بأنني نسيتُ
تفعيل هذا الوضع، فظَلَّ الهاتف يرن بإلحاحٍ حتى أقلق منامي وأثار ضجري؛ نهضتُ
لأرى مَن هذا الذي يتصل بي في وقتٍ مُتأخرٍ وبمثل هذا الإصرار، فوجدتُ المُتصل هو
مُدير معهد الأورام الذي أعمل به، قُلتُ في نفسي: "اللهم اجعله خيراً"،
سألته: "ماذا هناك؟"، أجاب: "نُريد حضورك غداً للأهمية القُصوى"،
قلتُ: "غداً الخميس، وأنا سآتي إليكم يوم السبت على أية حال"، فجاء الرد
قاطعاً: "لا بد من حضورك غداً.. لا بديل عن ذلك"، حاولتُ الاعتذار
قائلاً: "من المُستحيل أن أحضر الخميس، فلديّ مواعيد وارتباطاتٌ
مُسبقة"، لكنه أصر وأنهى المُكالمة بقوله: "لا شأن لنا بذلك، نحن
بانتظارك غداً". في اليوم التالي بدأتُ رحلتي بعد صلاة الفجر، ركبتُ سيارتي
العتيقة على مضضٍ، قُدتُ بتمهلٍ بسبب الضباب الكثيف، وعلى الطريق لفت نظري رجلٌ
مُسنٌ يحمل طفلاً صغيراً في التاسعة من عُمره تقريباً، كان وجه الصغير شاحباً
ويرتجف من شدة البرد، أوقفتُ سيارتي وفتحتُ له بابها قائلاً: "تفضل يا
حاج". ظننتُ أنه يقصد قريةً على الطريق، وقلتُ في نفسي لعلّه يؤنسني في
طريقي، سألتُه: "يا عمي، ما الذي أوقفك في هذا الوقت المُبكر مع هذا الطفل
الصغير في هذا البرد القارس؟"
أجابني: "لقد فاتني القطار، فجئتُ أبحث عن
أية سيارةٍ تُقلني لأنني يجب أن أصل مُبكراً"؛ فسألتُه: "إلى أين وجهتك
بالضبط يا عمي؟"، قال والدُموع في عينيه: "هذا الولد مُصابٌ بسرطان
الدم، واليوم موعده ليتلقى جلسة العلاج الكيماوي في معهد الأورام ب«المنيا»"!
هُنا فقط أدركتُ لماذا نسيتُ هاتفي عاملاً غير صامتٍ، ولماذا كان إصرار مُدير
المعهد على حُضوري المُبكر إلى «المنيا»، سُبحان الله، هُنا تتجلى الحكمة الإلهية.
سألني الرجل ببراءةٍ: "وأنتَ يا
بك، ما هي وجهتك؟ أخبرني كي لا أُعطلك، يُمكن أن أنزل في أقرب نُقطةٍ لأستقل وسيلة
مواصلاتٍ أُخرى للمعهد"، أجبته بطُمأنينةٍ: "لا تقلق يا حاج، أنا سائقٌ
خصوصيٌ أرسله الله لك خصيصاً ليوصلك إلى باب المعهد مُباشرةً"، قال بارتباكٍ:
"ولكني لا أملك أجرة سيارةٍ خاصةٍ"؛ فقُلتُ له: "لا تشغل بالك
بالأُجرة، فهي مدفوعةٌ بإذن الله، وبالزيادة أيضاً، المُهم القُبول"!
حقاً (قد يُثاب المرء رغم أنفه) فبعد
أن كنتُ أقود سيارتي وأنا في غاية الضيق والضجر، أصبحتُ أقودها في غاية السعادة
والرضا.
يقول تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ
يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ
قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
يقول المُفسرون:
من يخاف الله فيعمل بما أمره به،
ويجتنب ما نهاه عنه، يجعل له مخرجاً من كل ضيقٍ، ويُيسِّر له أسباب الرزق من حيث
لا يخطر على باله، ولا يكون في حُسبانه، ومن يتوكل على الله فهو كافيه ما أهمَّه
في جميع أموره، إن الله بالغ أمره، لا يفوته شيءٌ، ولا يُعجزه مطلوبٌ، قد جعل الله
لكل شيءٍ أجلاً ينتهي إليه، وتقديراً لا يُجاوزه.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:
[عَجِبَ اللهُ مِن قَومٍ يَدخُلونَ الجَنَّةَ في السَّلاسِلِ]، يقول شُراح الحديث:
في هذا الحديث يُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يعجب من قومٍ يدخلون الجنة
في السلاسل، ومعناه: أن هؤلاء القوم أُسروا وقُيدوا، فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا
طوعاً فيه، فكان ذلك سبباً في دخولهم الجنة؛ إنه لُطف الله سُبحانه وتعالى وكرمه؛
يقول عليه الصلاة والسلام: [ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ
ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ
بها مِن خَطاياه].
ويقول أهل العِلم إن عبارة (قد يُثاب
المرء رغم أنفه) وإن كانت ليست حديثاً شريفاً، فإنها صحيحة المعنى؛ فليست كل
الأجور تأتي بالطاعات؛ فأحياناً يُثاب المرء من حيث لا يدري، يُثاب بلا جُهدٍ منه
ولا عناءٍ وحتى بلا عمل! فقد تأتيه الحسنات لأنه مكروبٌ وصابرٌ، أو لحزنٍ عارضٍ،
أو لضيقٍ يمر به وهو شاكرٌ، أو بمرضٍ ولو كان بسيطاً، أو بسبب المشقّة في رزقه، أو
قد يُغتاب ويُتهم بما ليس فيه فيُؤجر ويُثاب؛ فقد يشاء اللهُ عزَّ وجلَّ أن يأتيك
الثَّواب في ثوب أَذىً يُكفِّر الله به السيئات ويرفع الدرجات. وليست كُل الأُجور
تأتي بكثيرٍ من الطاعات؛ فإن منها ما يأتي مِن: سرير المرض، ووخز الإبر، ورعشة
الحُمّى، وقهر الضّيم، ومشقّة السَّير، وجُوع الفقر، وسهر الهمِّ، ومرارة الغُربة،
وحُزن الفقد، وتعبِ المُجاهدة، ومُغالبة الهوى. إن الإنسان تمرّ به لحظاتٌ لا
يختارها، وأيامٌ تثقلها الهموم، ومواقفُ تمسُّ القلب بوجعها، ومع ذلك تتحوّل في
ميزان الله إلى خزائن من الحسنات؛ فالأجر لا يتعلّق بالأفعال التي يختارها العبد
وحده، بل يمتدّ إلى ما يمرّ به من أقدارٍ؛ حين يستقبلها بالصبر، ويُحسن الظنّ
بربّه، ويُعلّق قلبه بحُسن التوكّل، ويُخلص العمل لله سُبحانه وتعالى؛ حينها تنقلب
المحنة منحةً، ويصير للألم أجراً، ويكون في الصبر رفعةٌ، وفي الرضا أقدارٌ من
الخير لا تُدرَك إلّا بقلبٍ موصولٍ بالله العلي العظيم. حينها يُثاب المرء
ويُؤجَرُ على أعمالٍ لم يكن يظن أنها ذات بالٍ؛ يؤجر على بث الطاقة والأمل في نفوس
المُحيطين به رغم حاجته لمن يدعمه ويُحفزه، يؤجر على ثباته لأن هُناك من يتكىء
عليه، يؤجر على الاستماع للآخرين والتهوين من أزماتهم ومُحاولة تخفيف هُمومهم، رغم
كل ما في صدره من ضيقٍ وتعبٍ، يؤجر على ثباته أمام الناس خوفاً من أن يُحمِّلهم
أثقاله مع أثقالهم.
أحبتي.. (قد يُثاب المرء رغم أنفه)
ويؤجر دون قصدٍ مُسبقٍ وسعيٍ منه، ولكن شريطة أن تكون سريرته نقيةً، وأعماله
خالصةً لله سُبحانه وتعالى وحده دون غيره، بغير رياءٍ ولا سعيٍ لسمعةٍ أو شُهرةٍ
أو شهوةٍ أو ربحٍ، وأن يُحسن استغلال فُرص عمل الخير حينما تلوح له؛ فكثيراً ما
تجد نفسك تجبر خاطراً، أو تُفرِّج كُربةً، أو تُعين مريضاً، أو تصنع معروفاً
لمُجرد أنَّ القدر وضعه في طريقك، وكأنَّ الله قد سَيَّره إليك خصيصاً. وأحياناً
أُخرى، يُهاتفك شخصٌ ما ليُخبرك برغبته في التصدق ويبحث عن مُحتاجٍ، فيكون كل دورك
أن تُرشده إلى شخصٍ تعرفه، فتنال أجر الصدقة بمجرد إجابتك عن السؤال. كذلك في
مواقف أُخرى، قد يمنحك أحدهم شيئاً لتوزيعه في طريقك، فتقضي الأمر وتأخذ الأجر
كاملاً، ذلك من عظيم كرم الله وفضله عليك؛ أن يُلهم الآخرين ذِكرك، وأن يختارك أنت
دُون غيرك لتكون وسيطاً للخير. كل ذلك لا يحدث صُدفةً، ولا هو مهارةٌ منك، إنما هو
تدبير الله عزَّ وجلَّ لعباده المُخلِصين، إنه توفيقٌ من الله تبارك وتعالى، وكرمٌ
منه، ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ﴾.
اللهم يسِّر لنا عمل الخير، وحبِّبنا فيه، وتقبله منا خالصاً لوجهك الكريم، واجعلنا اللهم ممن ترزقهم الأجر والثواب رغم أنوفهم.
🌿🌹🌿🌹🌿🌹🌿
